التقية: معناها اللغوي وبيان مشروعيتها من القرآن الكريم والسنة النبوية

تُعدّ مسألة التقية من القضايا التي كثر حولها الجدل، لا من حيث أصلها اللغوي فقط، بل من حيث فهم مشروعيتها وضوابطها الشرعية. وقد بيّن أهل اللغة أن التقية مأخوذة من مادة الوقاية، أي حفظ النفس من الأذى والضرر، وهو معنى تدور عليه ألفاظ العرب واستعمالاتهم.

وقد شرح هذا المعنى كبار أئمة اللغة، كـ ابن منظور في لسان العرب، وابن الأثير في النهاية في غريب الحديث، والراغب الأصفهاني في مفردات ألفاظ القرآن، حيث قرروا أن التقية هي الاتقاء والحذر مما يخاف منه الإنسان من أذى أو ضرر.

ولم يكن هذا المفهوم بدعًا في الشريعة الإسلامية، بل جاءت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية ببيان أصلها، وربطها بحالة الإكراه والخوف الحقيقي على النفس، كما في آيات آل عمران والنحل، وحديث النبي ﷺ في رفع الإثم عمّا استُكره عليه العبد.

وعليه فإن التقية في أصلها الشرعي ليست وسيلة للتحايل أو الكذب المجرد، وإنما رخصة استثنائية تُشرع عند الضرورة، مع بقاء القلب مطمئنًا بالإيمان، وحرمة اتخاذها منهجًا دائمًا أو أصلًا في التعامل والدين.

معنى التقية:

جاء في لسان العرب - مادة (وقى)-: اتّقيت الشيءَ وتقَيْتُه أتّقيه، وأتْقيه تقًى وتُقاة: حذِرته.

لسان العرب لابن منظور (15/401).

ويقول ابن الأثير:

وأصل (اتقى): (اوتقى)، فقلبت الواو ياء للكسرة قبلها، ثم أبدلت تاء وأدغمت، ومنه حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. أي: جعلناه وقاية من العدو.

النهاية في غريب الأثر لابن الأثير (5/484).

وقال الراغب الأصفهاني:

 الوقاية: حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره، يقال وقيت الشيء أقيه وقاية ووقاء.

 مفردات ألفاظ القرآن الكريم (2/530).

وفي المعجم الوسيط:

 ووقى الشيء وقيا ووقاية: صإنه عن الأذى وحماه، والتقية: الخشية والخوف.

 المعجم الوسيط (2/1029).

ويقول ابن حجر:

 ومعنى التقية: الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير، وأصله وقية بوزن حمزة، فعلة من الوقاية.

 فتح الباري لابن حجر العسقلاني (19/398).

مشروعية التقية من الكتاب والسنة:

وأصل مشروعية التقية مأخوذ من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.

يقول الله عز وجل: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إلا أن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ [آل عمران:28].

ويقول تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَإنه إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل: 106].

وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الله وضع - وفي لفظ: تجاوز - عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).

تفسير ابن كثير (2/775).