سبقُ أهل السُّنَّةِ إلى تدوينِ علمِ الحديث

يُعَدّ علم الحديث من أشرف العلوم الشرعية وأدقّها أثرا في حفظ الدين؛ إذ به تُعرَف سنّة النبي ﷺ الثابتة، ويُميَّز الصحيح من السقيم، ويُفصل بين ما يُحتجّ به وما يُردّ من الروايات. ولم يتشكّل هذا العلم ارتجالًا أو ادّعاءً، بل قام على جهود علمية متراكمة بذلها علماء أهل السُّنَّة منذ القرون الأولى، فوضعوا قواعد الجرح والتعديل، وحرّروا شروط قبول الأخبار، وقسّموا الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، وأقاموا ميزانًا نقديًا دقيقًا للأسانيد والمتون، حتى صار علم الحديث علمًا مستقلًا له أصوله ومناهجه المحكمة.

وفي مقابل هذا البناء العلمي الرصين، تروّج الفرقة الضالّة دعوى امتلاك منهجٍ خاصٍّ مستقلٍّ في علم الحديث، وإنها لم تحتج في تأسيس تراثها الحديثي إلى مناهج أهل السُّنَّة. غير أن هذه الدعوى تصطدم باعترافٍ صريح من كبار منظّريهم المعاصرين؛ إذ يقرّ الدكتور عبد الهادي الفضلي بأن أهل السُّنَّة سبقوا الشيعة تاريخيًا في تدوين علم مصطلح الحديث، وأن أوّل مصنَّفٍ مستقلٍّ في هذا الفن كان سُنّيًا، بينما تأخر ظهور المصنَّفات الشيعية قرونًا.

ولا يقف الأمر عند حدود السبق الزمني، بل يتجاوز ذلك إلى السبق المنهجي والفني؛ حيث يعترف الفضلي بتأثر المؤلفات الشيعية المتأخرة بمنهج علماء أهل السُّنَّة في التقسيم والترتيب والتحرير العلمي، الأمر الذي يكشف بوضوح أن ما لدى الشيعة في هذا الباب بناءٌ متأخرٌ على أصولٍ سُنّية راسخة. ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال في بيان الحقيقة العلمية والتاريخية: أن أهل السُّنَّة هم الروّاد في تأسيس علم الحديث وتقعيده، وأن دعوى الاستقلال المنهجي عند الفرقة الضالّة دعوى مردودة بالاعتراف من داخل مصادرهم.

قال عبد الهادي الفضلي:

" إذا رجعنا إلى تاريخ التشريع الإسلامي لمعرفة متى وضع علم الحديث عند أهل السنة، ومتى وضع علم الحديث عند الشيعة - ويعرف هذا عادة بأول كتاب ألف في هذا العلم - سوف نرى أول كتاب ظهر لأهل السنة في فن مصطلح الحديث - كما يعبرون عنه - وهو كتاب (المحدث الفاضل بين الراوي والواعي) للقاضي أبي محمد حسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي المتوفى سنة 360 ه‍. وذكرت - فيما تقدم - أن أقدم مؤلف إمامي في هذا العلم أشير إليه وهو كتاب (شرح أصول دراية الحديث) للسيد علي بن عبد الكريم بن عبد الحميد النجفي النيلي من علماء المائة الثامنة. وهذا يعني أن أهل السنة كانوا أسبق تاريخيا في تدوين علم الحديث.

ومن المعروف - تاريخيا - أن المتأخر يستفيد من تجارب المتقدم منهجيا وفنيا، وهذا ما لحظناه في كتاب (الدراية)، للشهيد الثاني، وهو أقدم كتاب في علم الحديث وصل إلينا، فقد تأثر من ناحية منهجية وفنية بمؤلفات علماء السنة في علم الحديث. وهذا التأثير منه أدى إلى أن يذكر من أقسام الحديث ما لا مصاديق له في حديثنا أمثال بعض أقسام الضعيف. ومع إنه أبقى مثل هذه إلا إنه من ناحية أخرى أجاد في إضافته ما هو موجود عندنا غير موجود عندهم كالموثق والمضمر وغيرهما " اهـ.

أصول الحديث - الدكتور عبد الهادي الفضلي - ص 95 – 96