الفرق بين الإسناد الصحيح والحديث الصحيح
علم مصطلح الحديث هو العمود الفقري لعلوم السنة النبوية، إذ يعتمد عليه في تمييز الحديث الصحيح من الضعيف والموضّع. ومن أهم القواعد الدقيقة في هذا العلم التفريق بين الإسناد الصحيح والحديث الصحيح. فصحة الإسناد تعني تحقق شروط اتصال السند وضبط الرواة وعدالتهم، بينما صحة الحديث تتطلب تحقق هذه الشروط مع خلو المتن من الشذوذ أو العلة أو الإشكال.
وقد شدّد كبار العلماء مثل ابن الصلاح وابن كثير وابن حجر العسقلاني على أن الحكم بصحة الإسناد لا يلزم بالضرورة صحة المتن، وأن التفرقة بين الاثنين من دقة المحدثين المتأخرين بسبب صعوبة التحقيق في الشرطين الرابع والخامس من شروط صحة الحديث.
ويأتي المقال لتوضيح هذه القاعدة، ويبين الحالات الاستثنائية التي قد يُراد فيها بالإسناد الصحيح التأكيد على صحة الحديث نفسه، كما يوضح الأسلوب الذي اتبعه المحدثون في تقييد إطلاق الحكم على الإسناد أو المتن حسب معرفتهم بخصائصهم. ويعد هذا الفهم أساسيًا لكل طالب علم يسعى إلى التمكن من علوم الحديث وفهم كيفية تقييم الأحاديث بدقة علمية.
يقول الحافظ ابن الصلاح رحمه الله:
قولهم: (هذا حديث صحيح الإسناد أو حسن الإسناد) دون قولهم: (هذا حديث صحيح أو حديث حسن) لإنه قد يقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولا يصح لكونه شإذا أو معللا " انتهى. " مقدمة في علوم الحديث " (ص/23)
ويقول ابن كثير:
" الحكم بالصحة أو الحسن على الإسناد لا يلزم منه الحكم بذلك على المتن، إذ قد يكون شإذا أو معللاً " انتهى.
اختصار علوم الحديث " (ص/43)
ثانيا: ولما كان الشرطان الرابع والخامس من أدق الشروط وأصعبها على الناقد، لأن تحقيقها يحتاج إلى بحث شديد، وتدقيق، وجمع لطرق الحديث ورواياته، كما يحتاج إلى خبرة واسعة في علوم الحديث وتخصص في النقد – لذلك احتاط كثير من المحدثين المتأخرين في أحكامهم، فاكتفوا بدراسة ظاهر الإسناد للتحقق من توافر الشروط الثلاثة الأولى، فإذا قامت هذه الشروط بإسناد معين قالوا: إسناد صحيح . ليشعروا القارئ إنهم ضمنوا له الشروط الثلاثة الأولى لصحة الحديث دون الشرطين الرابع والخامس، كي يكون القارئ على بصيرة بما يريده هذا المحدث .
يقول الحافظ ابن الصلاح رحمه الله:
قولهم: (هذا حديث صحيح الإسناد أو حسن الإسناد) دون قولهم: (هذا حديث صحيح أو حديث حسن) لإنه قد يقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولا يصح لكونه شإذا أو معللا " انتهى. "
مقدمة في علوم الحديث " (ص/23)
ويقول ابن كثير:
الحكم بالصحة أو الحسن على الإسناد لا يلزم منه الحكم بذلك على المتن، إذ قد يكون شإذا أو معللاً " انتهى. " اختصار علوم الحديث " (ص/43)
ويقول العراقي في ألفيته:
والحكم للإسناد بالصحة أو *** بالحسن دون الحكم للمتن رأوا " انتهى. " التبصرة والتذكرة " (1/107)
ثالثا:
ومع ذلك فقد يستثنى من هذه التفرقة ما إذا عرف الإمام بإنه لا يفرق في اصطلاحه بين هذين الاستعمالين " إسناد صحيح " و" حديث صحيح "، فقد يطلق الإمام – وخاصة إذا كان من المتقدمين – قوله " إسناد صحيح " ويريد به تصحيح الحديث نفسه، والحكم بانطباق الشروط الخمسة جميعها .
يقول الحافظ ابن الصلاح رحمه الله:
غير أن المصنف المعتمد منهم إذا اقتصر على قوله: إنه صحيح الإسناد، ولم يذكر له علة، ولم يقدح فيه، فالظاهر منه الحكم له بإنه صحيح في نفسه؛ لأن عدم العلة والقادح هو الأصل والظاهر . والله أعلم " انتهى. " مقدمة في علوم الحديث " (ص/23)
ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله:
والذي يظهر لي أن الصواب التفرقة بين مَن يُفَرِّقُ - في وَصفِهِ الحديث بالصحة - بين التقييد والإطلاق، وبين مَن لا يُفَرِّق .
فمن عُرف مِن حاله بالاستقراء التفرقة يحكم له بمقتضى ذلك، ويُحمل إطلاقه على الإسناد والمتن معا، وتقييده على الإسناد فقط .
ومَن عُرف مِن حاله إنه لا يصف الحديث دائما وغالبا إلا بالتقييد، فيحتمل أن يقال في حقه ما قال المصنف آخرا " انتهى . [ وهو يشير إلى قول ابن الصلاح الذي نقلناه قبله مباشرة ] .
"النكت على ابن الصلاح " (1/474)
والله أعلم .