علم أصول الفقه من أرقى العلوم الشرعية، لأنه ينظم فهم نصوص الشرع وتحديد قواعد الاستدلال على الأحكام الشرعية. وقد تأسس هذا العلم عند أهل السنة منذ القرون الأولى على أسس متينة، شملت تبويب الأدلة، وضبط المصطلحات، وتحديد شروط القياس، والتمييز بين الضروري والاستحسان، مما مكّن علماء أهل السنة من بناء تراث فقهي رصين ومستقل.
وفي المقابل، تروّج الفرقة الضالّة لادعاء الاستقلال في تأسيس أصول الفقه، مدّعية أنها امتلكت مؤلفات متقدمة في هذا المجال. لكن الواقع التاريخي، كما أورده الدكتور عبد الهادي الفضلي، يكشف أن أول مؤلف أصولي إمامي كان كتاب أصول الفقه للمفيد، الذي لم يكن سوى مختصر محدود، بينما اضطرت مؤلفات لاحقة مثل كتاب الذريعة للشريف المرتضى إلى الرجوع إلى كتب أهل السنة الكاملة من أجل منهجية البحث والتبويب الفني.
ويبرز هذا الواقع أن السبق الزمني والمنهجي لأهل السنة في علم أصول الفقه واضح لا جدال فيه، وأن تطور الفقه الإمامي كان بناءً على خبرات سابقة لدى علماء أهل السنة، مما يوضح فشل دعوى الاستقلال المنهجي للفرقة الضالّة في هذا المجال.
قال عبد الهادي الفضلي :
" إن أقدم مؤلف أصولي إمامي وصل إلينا هو: 1 - أصول الفقه، لأبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان الحارثي البغدادي المعروف بابن المعلم والملقب بالمفيد المتوفى سنة 413 هـ..... " اهـ
دروس في أصول فقه الإمامية الشيخ عبد الهادي الفضلي – ص 8 – 9
وقال : " وقال : "ويلاحظ - هنا - أن الشريف المرتضى عندما أراد وضع كتابه الاصولي (الذريعة) لم يجد أمامه ما يرجع إليه في دراسة المادة الاصولية إلا كتاب شيخه المفيد، وهو مختصر جدا، وإلى جانبه. الكتب الاصولية السنية، وهي كثيرة وكاملة في مادتها ومتكاملة فيما بينها. وهذا الواقع - بطبيعته - يفرض عليه الرجوع إلى الكتب السنية من ناحية فنية على الأقل.
وعليه أن يقارن ويوازن حتى تنتهي المسيرة الاصولية الإمامية بعد حين من الزمن إلى الاصول الإمامي المستقل.
وفي الوقت نفسه نعى على المؤلفات السنية المتوافرة آنذاك إغراقها وإسرافها في التعامل مع معطيات علم الكلام بما يصعب معه التمييز بين علم الكلام وعلم الاصول من حيث المنهج، قال:
" أما بعد، فإني رأيت أن أملي كتابا متوسطا في أصول الفقه، لا ينتهي بتطويل إلى الإملال، ولا باختصار إلى الإخلال، بل يكون للحاجة سدادا، وللتبصرة زيادا، وأخص مسائل الخلاف بالاستيفاء والاستقصاء، فان مسائل الوفاق تقل الحاجة فيها إلى ذلك.
فقد وجدت بعض من أفرد لأصول الفقه كتابا، وان كان قد أصاب في كثير من معانيه وأوضاعه ومبانيه قد شرد عن قانون أصول الفقه واسلوبها، وتعداها كثيرا وتخطاها، فتكلم على حد العلم والظن، وكيف يولد النظر العلم، والفرق بين وجوب المسبب عن السبب، وبين حصول الشيء عند غيره على مقتضى العادة، وما تختلف فيه العادة وتتفق، والشروط التي يعلم بها كون خطابه تعالى دالا على الأحكام وخطاب الرسول (صلى الله عليه وآله)، والفرق بين خطابيهما بحيث يجتمعان أو يفترقان، إلى غير ذلك من الكلام الذي هو محض صرف خالص للكلام في أصول الدين دون أصول الفقه ".
ويرمي بهذا إلى نقد احتواء علم الكلام لعلم الاصول، وليس استخدام العقل مصدرا اصوليا.
وبإلقاء نظرة على مراجع كتابه (الذريعة):
نجده قد رجع إلى الأعلام التالية أسماؤهم:
1- أبو علي: محمد بن عبد الوهاب الجبائي المعتزلي (ت 303 ه)، ومن المظنون قويا أنه أخذ آراءه الاصولية والكلامية من كتابه (تفسير القرآن)، ومما نقل عنه في الكتب الاصولية والكلامية التي وقف عليها.
2- أبو هاشم: عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي (ت 321 ه)، له كتاب (العدة في أصول الفقه)، وأخال قويا أنه رجع إليه، وإلى ما نقل عن أبي هاشم من آراء كلامية واصولية في الكتب التي هي تحت متناوله.
3- أبو الحسن الكرخي: عبيدالله بن الحسن البغدادي الحنفي (ت 340 ه)، له رسالته في أصول الفقه التي عليها مدار فروع فقه الأحناف، ربما رجع إليها، وإلى ما نقل عنه في غيرها من رسائل وكتب.
4- أبو بكر الفارسي: أحمد بن الحسن بن سهل الشافعي (ت حدود 350 ه) له: الذخيرة في أصول الفقه.
5- القفال: أبو بكر محمد بن علي الشاشي الشافعي (ت 365 ه)، له: كتاب أصول الفقه.
6- أبو عبد الله: الحسين بن علي البصري المعتزلي (ت 367 ه)، له: كتاب التفضيل في الإمامة. كما رجع (أعني المرتضى) إلى كتابيه (الذخيرة) وهو في علم الكلام، و (الشافي) وهو في الإمامة.
وأمر طبيعي أن تكون نسبة المراجع السنية فيه أكثر من المراجع الإمامية، لعدم وجود مؤلفات في أصول الفقه الإمامي غير مختصر استاذه الشيخ المفيد، فلا غنى له - حينئذ - عن أن يستفيد في التبويب لمواد أصول الفقه، ومسالك البحث فيها فنيا من تجارب سابقيه " اهـ
دروس في أصول فقه الإمامية - الشيخ عبد الهادي الفضلي – ص 66 – 68