القرآن الكريم ليس مجرد كلمات تُتلى، بل هو نور يهدي القلوب ويوقظ الضمائر، ويحتاج من المسلم استشعار عظمته وخشوعه عند تلاوته. قراءة القرآن بالخشوع والحزن تعكس التفاعل الروحي العميق مع معانيه، وتزرع الخوف من الله والرجاء في رحمته. لقد حثّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام على أن تكون التلاوة مؤثرة على القلب، تفيض بالدموع وتحث على التوبة، مع مراعاة الأدب الكامل في المجلس والخلوة والصفاء الداخلي للاستفادة من نور القرآن وبركاته.
تلاوة القرآن مع الخشوع والحزن
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إِن أَحقّ الناس بالتخشع في السر والعلانية لَحامل القرآن، وإِن أَحق الناس ـ في السر والعلانية ـ بالصلاة والصوم لَحامل القرآن. ثم نادى بأَعلى صوته: يا حاملَ القرآن تواضع به يرفعك الله ولا تعزز به فيذلك الله. يا حامل القرآن تزيّن به الله يزينك الله به، ولا تزين به للناس فيشينك الله به. مَن ختم لقرآن فكأَنما أُدرجت النبوة بين جنبيه، ولكنه لا يوحى إِليه. ومن جمع القرآن فنَوْ لا يجَهل مع مَن يجهل عليه، ولا يغضب فيمن يغضب عليه، ولا يحدّ فيمن يحِدّ، ولكنه يعفو ويصفح ويغفر ويحلُم لتعظيم القرآن[1].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: شيّبتنى هود والواقعة والمرسلات وعمَّ يتساءَلون[2].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم لابن مسعود: إِقرأْ عليَّ قال ابن مسعود، ففتحت سورة النساءِ فلما بلغت: فكيف إذا جئنا من كل أُمة بشهيد وجئنا بك على هؤُلاءِ شهيداً رأيت عينيه تذرفان من الدمع فقال لي: حَسْبُكَ الانَ[3].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: إني لاَعجبُ كيف لا أَشيب إِذا قرأت القرآن[4].
وقال علي عليه السلام في وصف المتقين:
أَما الليل فصافُّون أَقدامهم، تالين لاَجزاءِ القرآن، يرتلوتهُ ترتيلاً، يجزّنون به أَنفسهم، ويستثيرون به تهيّج أَحْزانهم بكاءً على ذنوبهم، ووجع كلوم جراحهم وإِذا مرّوا بآيَة فيها تخويف أَصغوا إليها مسامع قلوبهم وأَبصارهم فاقشعرّت منها جلودهم، ووجلت قلوبهم، فظنواأَن صهيلَ جنهم وزفيرَها وشهيقَها في أُصول آذانهم. وإذا مرُّوا بآيَة فيها تشويق ركنوا إليها طمعاً، وتطلعت إليها نفوسهم شوقاً، وظنوا أَنها نصب أَعينهم[5].
وعن زر بن حبيش قال:
قرأت القرآن من أوله الى آخره في المسجد الجامع بالكوفة على أمير المؤمنين عليه السلام إلى أن قال: فلما بلغت رأس حمعسق والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك هو الفوز الكبير بكى عليٌّ عليه السلام حتّى على نحيبه[6].
وعن الصادق عليه السلام:
إذا مررتَ بآية فيها ذكر الجنة فأَسأَل اللهَ الجنةَ، وإِذا مررتَ بآية فيها ذكر النار فتعودّ بالله من النار[7].
وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أَتى شباباً من الاَنصار فقال: إِني أُريد أَن أَقرأَ عليكم فمن بكى فله الجنة. فقرأَ آخر الزمر: وسيق الذين كفروا إِلى جهنم زمراً ; إِلى آخر السورة، فبكى القوم جميعاً إِلا شاباً فقال: يا رسول الله قد تباكيت فما قطرت عيني. قال صلى الله عليه وآله وسلم: إِني معيدٌ عليكم فمن تباكى فله الجنة. فأَعاد صلى الله عليه وآله وسلم عليهم فبكى القوم، وتباكى الشاب فدخلوا الجنة جميعاً[8].
وقال عليه السلام: من قرأَ القرآن ولم يخضع لله ولم يرقَّ قلبه، ولا يكتسى حزناً ووجلاً في سرّه فقد استهان بعِظم شأَْن الله تعالى، وخسر خسراناً مبيناً، فقارىءُ القرآن يحتاج إِلى ثلاثة: قلب خاشع وبدن فارغ وموضع خال. فإِذا خشع لله قلبه رّ منه الشيطان الرجيمُ، قال الله تعالى: فإِذا قرأْت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم. وإِذا تفرّغ قلبُه من الاَسباب تجرّدَ قلبه للقراءَة فلا يعرضه عارض فيُحرَمُ بركة نور القرآن وفوائده. وإِذا اتخذ مجلساً خالياً واعتزل من الخلق بعد أَن أَتى بالخصلتين الاولتين، استأْنس روحه وَصره، وَوَجَد حَلاوَة مخاطبَةِ الله عَزَّ وَجلَّ عبادَه الصالحين، وعلم لطفه بهم، ومقام اختصاصه لهم بفنون كراماته، وبدايع إِشارته، فإِذا شرب كأساً من هذا الشرب حينئذ لا يختار على ذلك الحال حالاً ولا على ذلك الوقت وقتاً بل يُؤثره على كل طاعة وعبادة لان فيه المناجاة مع الرب بلا واسطة، فانظر كيف تقرأُ كتاب ربك ومنشور ولايتك، وكيف تجيب أَوامره ونواهيه، وكيف تمتثل حدوده، فإِنه كتاب عزيز لا يأْتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حَكِيم حميد، فرتله ترتيلا، فقف عند وعده ووعيده، وتفكر في أَمثاله ومواعظه، واحذر أَن تقع من إِقامتك حروفَه في إِضاعة حدودِه[9].
وقال: ينبغى لمن قرأَ القرآن إِذا مرّ بآية من القرآن فيها مَسْأَلة أَو تخويف أَن يَسأَل عند ذلك خير ما يرجو، ويسأَله العافية من النار، ومن العذاب[10].
وقال عليه السلام: إِن القرآن نزل بالحزن فقرأْه بالحزن[11].
[1] - الكافي، للشيخ الكليني، 2/604، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 6/181، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 4/250، بحار الأنوار، للمجلسي، 89/185، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/153، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليه السلام)، لهادي النجفي، 5/97، 9/109، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 3/2524
[2] - الأمالي، للصدوق، 304، الخصال، للصدوق، 199، المجازات النبوية - الشريف الرضي، 159 (الحاشية)، روضة الواعظين، للفتال النيسابوري، 476، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 6/172، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 4/242، عوالي اللئالي، لإبن أبي جمهور الأحسائي، 1/188، بحار الأنوار، للمجلسي، 16/192، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/66،
مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 6/107، 8/626، تفسير جوامع الجامع، للطبرسي، 2/196، تفسير مجمع البيان، للطبرسي، 5/239، 10/273، التفسير الصافي، للفيض الكاشاني، 2/475، تفسير نور الثقلين، للحويزي، 2/334، 5/203
[3] - رسائل الشهيد الثاني، للشهيد الثاني، 139، بحار الأنوار، للمجلسي، 16/294، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/66، 165
[4] - الكافي، للكليني، 2/632، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 6/172، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 4/238، بحار الأنوار، للمجلسي، 16/258، 46/303، 89/214، 278، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/65، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 3/2528، تفسير العياشي، لمحمد بن مسعود العياشي، 2/119، تفسير نور الثقلين، للحويزي، 2/290، /301
[5] - نهج البلاغة - خطب الإمام علي (عليه السلام)، 2/161، الأمالي، للصدوق، 667، صفات الشيعة، للصدوق 20، تحف العقول، لإبن شعبة الحراني 159، روضة الواعظين، للفتال النيسابوري، 438، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 6/172، مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة)، للميرجهاني، 3/272، 300، مكارم الأخلاق، للطبرسي/476، بحار الأنوار، للمجلسي، 64/315، 342، 65/194، 75/29، /73، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/65، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 6/122، 8/457، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 3/2527، 4/3635
[6] - مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 4/277، 377، بحار الأنوار، للمجلسي، 89/206، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/77، 165، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 8/466، نهج السعادة، للمحمودي، 6/254، مستدركات علم رجال الحديث، لعلي النمازي الشاهرودي، 3/422
[7] - زبدة البيان، للمحقق الأردبيلي 99، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 6/173، بحار الأنوار، للمجلسي، 89/216، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/56، تفسير جوامع الجامع، للطبرسي، 3/663، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، لناصر مكارم الشيرازي، 19/130
[8] - وسائل الشيعة، للحر العاملي، 6/219، بحار الأنوار، للمجلسي، 90/328، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/165
[9] - مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 4/241، مصباح الشريعة، المنسوب للإمام الصادق (عليه السلام) 28
[10] - ذخيرة المعاد، للمحقق السبزواري، 1 ق 2/364، كشف اللثام - الفاضل الهندي، 1/224، الموسوعة الفقهية الميسرة، لمحمد علي الأنصاري، 2/361، تهذيب الأحكام، للطوسي، 2/286، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 6/69، 171، الفصول المهمة في أصول الأئمة، للحر العاملي، 3/312
[11] - الكافي، للكليني، 2/614، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 6/208، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 4/270، 273، بحار الأنوار، للمجلسي، 89/191، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/54، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 6/162، تفسير مجمع البيان، للطبرسي، 1/46، التفسير الصافي، للفيض الكاشاني، 1/72، تفسير نور الثقلين، للحويزي، 3/170