من أعظم القضايا العقدية التي أثارت جدلاً واسعًا في تاريخ الإسلام مسألة "خلق القرآن"، والتي خاض فيها المعتزلة والشيعة وغيرهم من الفرق، في مقابل موقف أهل السنة والجماعة الذين أجمعوا على أن القرآن كلام الله غير مخلوق. وقد برز في تراث الشيعة ما يثبت قولهم بخلق القرآن، بل خصص المجلسي بابًا في كتابه بحار الأنوار بعنوان: "باب أن القرآن مخلوق"، ونقل فيه روايات عديدة، كما أقرّ محسن الأمين أن الشيعة والمعتزلة قالوا بخلق القرآن. وقد حاول بعض متأخري الشيعة تأويل هذا القول بدعوى التقية أو بتفسير بعيد يخالف ما عليه أهل الإسلام، غير أن أقوالهم وتقريرات علمائهم تكشف حقيقة موقفهم من القرآن الكريم.

عقد شيخ الشيعة في زمنه المجلسي في البحار في كتاب القرآن بابًا بعنوان: "باب أن القرآن مخلوق" (بحار الأنوار: 92/ 117-121) أورد فيه إحدى عشرة رواية ويقول آية الشيعة محسن الأمين:

 "قالت الشّيعة والمعتزلة: القرآن مخلوق" (أعيان الشّيعة: 1/461).

قال القمي:

القرآن غير مخلوق يعني "إنه غير مخلوق أي غير مكذوب لا يعني به إنه غير محدث"

(التوحيد ص225، البحار: 92/119).

وقال: "وإنما امتنعنا من إطلاق المخلوق عليه لأن المخلوق في اللغة قد يكون مكذوبًا، ويقال: كلام مخلوق أي مكذوب"

(التوحيد ص225، البحار: 92/119).

لا شك أن هذا التأويل لا يسلم له لإنه من الواضح أن النصوص السابقة ترد على ما ذهب إليه أهل الاعتزال من القول بأن القرآن مخلوق، فقال السلف ردًا عليهم: إنه غير مخلوق ولم يريدوا بذلك إنه غير مكذوب كما يزعم ابن بابويه وغيره، فإن أحدًا من المسلمين لم يقل: إنه مكذوب، بل هذا كفر ظاهر يعلمه كل مسلم، وإنما قالوا: إنه مخلوق خلقه في غيره فرد السلف هذا القول، كما تواترت الآثار عنهم بذلك، وصنف في ذلك مصنفات متعددة.

(مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 12/301).

وقال البروجردي أن كلام القمي يحمل على التقية:

 "ولعلّ المنع من إطلاق الخلق على القرآن أما للتّقية مماشاة مع العامّة، أو لكونه موهمًا لمعنى آخر أطلق الكفّار عليه بهذا المعنى في قولهم: أن هذا إلا اختلاق"

(تفسير الصّراط المستقيم: 1/304).