علامات الإمام
تقوم عقيدة الإمامة عند الشيعة الإمامية على دعوى أن الإمام منصب إلهي، له صفات خاصة وخصائص خارقة تميّزه عن سائر البشر، بل تجعله – في نظرهم – معصومًا، مؤيدًا بالعلم والقدرة، ومحاطًا بعلامات ظاهرة لا يلتبس بها أمره على أتباعه. وقد حرص علماء الشيعة على تدوين هذه العلامات في كتبهم الحديثية والعقدية، فجعلوها ميزانًا لمعرفة الإمام الحق بعد وفاة الإمام السابق.
غير أن المتأمل في هذه الروايات يجد اضطرابًا بيّنًا وتناقضًا واضحًا، سواء من جهة اختلاف الصفات المنسوبة للإمام، أو من جهة وقوع ما ينقضها في نفس مصادرهم، أو من جهة اعتماد هذه الصفات في إثبات إمامة أشخاص ثبت عندهم بطلان إمامتهم كالقول بإمامة عبد الله الأفطح، وما ترتب على ذلك من انقسام داخل الطائفة نفسها.
ويهدف هذا المقال إلى دراسة روايات “علامات الإمام” في كتب الشيعة، وبيان ما فيها من تناقض داخلي، ونقض بعضها لبعض، مع الاستدلال من مصادرهم المعتمدة، لإظهار أن هذه العقيدة لا تقوم على أصل محكم ولا على ميزان منضبط، بل على دعاوى متعارضة لا تصمد إمام النقد العلمي.
ما رواه الكليني في الكافي:
" محمد بْنُ يَحْيَى عَنْ أحمد بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ أبي نَصْرٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام) إذا مَاتَ الْإمام بِمَ يُعْرَفُ الَّذِي بَعْدَهُ فَقَالَ لِلْإمام عَلَامَاتٌ مِنْهَا أن يَكُونَ أَكْبَرَ وُلْدِ أَبِيهِ ويَكُونَ فِيهِ الْفَضْلُ والْوَصِيَّةُ ويَقْدَمَ الرَّكْبُ فَيَقُولَ إلى مَنْ أَوْصَى فُلَانٌ فَيُقَالَ إلى فُلَانٍ والسِّلَاحُ فِينَا بِمَنْزِلَةِ التَّابُوتِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ تَكُونُ الْإمامةُ مَعَ السِّلَاحِ حَيْثُمَا كان " اهـ
الكافي – الكليني - ج 1 ص 284، وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – صحيح – ج 3 ص 204
ومنها ما ذكره المجلسي في عين الحياة، حيث قال: " روى ابن بابويه رحمه الله بسند قويّ عن عليّ بن موسى الرضا عليه السلام إنه قال: للإمام علامات، يكون أعلم الناس، وأحكم الناس، وأتقى الناس، وأحلم الناس، وأشجع الناس، وأسخى الناس، وأعبد الناس، ويولد مختوناً، ويكون مطهراً، ويرى من خلفه كما يرى من بين يديه، ولا يكون له ظلّ، وإذا وقع على الأرض من بطن امّه وقع على راحتيه رافعاً صوته بالشهادة ولا يحتلم، وتنام عينه ولا ينام قلبه ويكون محدّثاً، ويستوي عليه درع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولا يُرى له بول ولا غائط لأن الله عزّ وجل قد وكّل الأرض بابتلاع ما يخرج منه، ويكون له رائحة أطيب من رائحة المسك، ويكون أولى الناس منهم بأنفسهم، وأشفق عليهم من آبائهم وأمهاتهم، ويكون أشدّ الناس تواضعاً لله عزّ وجلّ، ويكون آخذ الناس بما يأمرهم به، وأكف الناس عمّا ينهى عنه، ويكون دعاؤه مستجاباً حتى لو إنه دعا على صخرة لانشقّت نصفين، ويكون عنده سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وسيفه ذو الفقار، ويكون عنده صحيفة فيها أسماء شيعته إلى يوم القيامة، وصحيفة فيها أسماء أعدائهم إلى يوم القيامة ويكون عنده الجامعة وهي صحيفة طولها سبعون ذراعا فيها جميع ما يحتاج اليه ولد ادم، ويكون عنده الجفر الأكبر والأصغر إهاب ماعز وإهاب كبش، فيهما جميع العلوم حتى أرش الخدش وحتى الجلدة، ونصف الجلدة، وثلث الجلدة، ويكون عنده مصحف فاطمة عليها السلام " اهـ
عين الحياة - المجلسي – ج 1 ص 178 – 179
قال النجاشي:
" [676] علي بن الحسن بن علي بن فضال بن عمر بن أيمن مولى عكرمة بن ربعي الفياض أبو الحسن، كان فقيه أصحابنا بالكوفة، ووجههم، وثقتهم، وعارفهم بالحديث، والمسموع قوله فيه . سمع منه شيئا كثيرا، ولم يعثر له على زلة فيه ولا ما يشينه، وقل ما روى عن ضعيف، وكان فطحيا، .......... وقد صنف كتبا كثيرة، منها ما وقع إلينا: ..............كتاب إثبات إمامة عبد الله " اهـ
رجال النجاشي - النجاشي - ص 257 – 258
وكذلك معاوية بن حكيم، فقد اعتقد بإمامة الافطح ولم يدرك عصره، قال النجاشي: " معاوية بن حكيم بن معاوية بن عمار الدهني ثقة، جليل، في أصحاب الرضا عليه السلام .... " اهـ
رجال النجاشي - النجاشي - ص 412
وفي اختيار معرفة الرجال:
"في محمد بن الوليد الخزاز ومعاوية بن حكيم ومصدق بن صدقة ومحمد بن سالم بن عبد الحميد 1062 - قال أبو عمرو: هؤلاء كلهم فطحية، وهم من أجلة العلماء والفقهاء والعدول، وبعضهم أدرك الرضا عليه السلام، وكلهم كوفيون " اهـ
- اختيار معرفة الرجال - الطوسي - ج 2 ص 835
وقد ذكر الجواهري خلاصة قول الخوئي فيه فقال:
" 12446 – 12442 – 12471 - معاوية بن حكيم بن معاوية: بن عمار الدهني - ثقة - من أصحاب الرضا، والهادي، والجواد، وموسى (ع) - روى في كامل الزيارات وتفسير القمي - فطحي - طريق الصدوق اليه صحيح - طريق الشيخ اليه ضعيف " اهـ
المفيد من معجم رجال الحديث - محمد الجواهري - ص 609
ولقد جزم الخوئي على أن معاوية بن حكيم لم يدرك الافطح، فقال:
" وأما ما احتمله بعضهم من حمل كلام الكشي على إنه كان فطحيا أولا، ثم رجع عن ذلك بعد موت عبد الله بن أفطح، فهو عجيب، فإن معاوية بن حكيم لم يدرك زمان عبد الله الأفطح جزما، على إنه خلاف ظاهر عبارة الكشي من أن معاوية بن حكيم فطحي على الاطلاق " اهـ
معجم رجال الحديث - الخوئي - ج 19 ص 223 – 224
وقال محمد تقي المجلسي:
" (2) روى الكليني في القوي كالصحيح، عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: للإمام عشر علامات، يولد مطهرا مختونا، وإذا وقع على الأرض وقع على راحتيه رافعا صوته بالشهادتين، ولا يجنب، وتنام عينه ولا ينام قلبه، ولا يتثاوب ولا يتمطى، ويرى من خلفه كما يرى من قدامه، ونجوه كرائحة المسك، والأرض موكلة بستره وابتلاعه، وإذا لبس درع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت عليه وفقا وإذا لبسها غيره من الناس طويلهم وقصيرهم زادت عليه شبرا وهو محدث إلى أن تنقضي أيامه عليه السلام " اهـ
روضة المتقين – محمد تقي المجلسي - ج 13 ص 235
اما عدم الجنابة فهي منقوضة، قال البحراني:
" بقي هنا شيء لم يتنبه له لاصحاب (رضوان الله عليهم) فيما وقفت عليه من كتبهم وهو جواز دخول مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) له وللمعصومين من آله (صلوات الله عليهم) مع الجنابة بل اللبث فيه وان ذلك من جملة خصائصهم. فمما وقفت عليه من الاخبار في ذلك ما رواه الصدوق في كتاب المجالس بسنده فيه عن الرضا عن آبائه عن امير المؤمنين (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد إلا انا وعلي وفاطمة والحسن والحسين ومن كان من اهلي فإنه مني ". وما رواه فيه أيضًا وفى كتاب عيون اخبار الرضا (عليه السلام) في حديث طويل عنه (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " إلا أن هذا المسجد لا يحل لجنب إلا لمحمد وآله ". وما رواه في كتاب العلل بسنده إلى أبي رافع قال: " أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خطب الناس فقال: ايها الناس أن الله أمر موسى وهارون أن يبنيا لقومهما بمصر بيوتا وأمرهما أن لا يبيت في مسجدهما جنب ولا يقرب فيه النساء إلا هارون وذريته، وان عليا مني بمنزلة هارون من موسى، ولا يحل لأحد أن يقرب النساء في مسجدي ولا يبيت فيه جنب إلا على وذريته... ". ورواه فيه أيضًا بسند آخر قريبا من ذلك وقال فيه: " ثم أمر موسى أن لا يسكن مسجده ولا ينكح فيه ولا يدخله جنب إلا هارون وذريته، وان عليا مني بمنزلة هارون من موسى وهو اخي دون اهلي، ولا يحل لأحد أن ينكح فيه النساء إلا علي وذريته... " وفيها زيادة على ما ذكرنا حل النكاح لهم فيه فضلا عن الدخول بالجنابة وما رواه في تفسير الإمام (عليه السلام) روى عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) في حديث سد الابواب إنه قال: " لا ينبغى لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت في هذا المسجد جنبا إلا محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والمنتجبون من آلهم الطيبون من اولادهم " اهـ
الحدائق الناضرة – يوسف البحراني – ج 3 ص 49 – 50
وقال الطوسي: " (1108) 1 محمد بن علي بن محبوب عن أحمد عن الحسين عن فضالة عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اغتسل أبي من الجنابة فقيل له قد بقيت لمعة من ظهرك لم يصبها الماء فقال له: ما كان عليك لو سكت ثم مسح تلك اللمعة بيده " اهـ
تهذيب الأحكام – الطوسي – ج 1 ص 365
وأما وجود صحيفة فيها اسماء اعدائه إلى يوم القيامة، فمنقوض أيضًا، قال الصدوق: " والحسن بن علي - عليهما السلام - سمته أمرأته جعدة بنت الأشعث الكندي، مات في ذلك " اهـ
الاعتقادات في دين الإمامية - الصدوق – ص 98
وأما الشجاعة فهي منقوضة أيضًا، قال الكليني: " عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أبي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ وحَمَّادٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أبي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي تَزْوِيجِ أم كُلْثُومٍ فَقَالَ أن ذَلِكَ فَرْجٌ غُصِبْنَاهُ " اهـ
الكافي – الكليني - ج 5 ص 346، وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – حسن – ج 20 ص 42
وفي الكافي: " 18 - وبهذا الإسناد، عن أحمد بن محمد، عن أبيه محمد بن عيسى، عن ابن بكير، عن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أن للقائم غيبة قبل أن يقوم، إنه يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه - يعني القتل " اهـ
- الكافي – الكليني - ج 1 ص 340، وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – موثق كالصحيح – ج 4 ص 52
وفي المحاسن للبرقي: " 313 - عنه، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن ابن مسكان قال: قال لي أبو عبد الله (ع): إني لأحسبك إذا شتم علي بين يديك لو تستطيع أن تأكل أنف شاتمه لفعلت، فقلت: إي والله جعلت فداك، إني لهكذا وأهل بيتي، فقال لي: فلا تفعل، فوالله لربما سمعت من يشتم عليا وما بيني وبينه إلا أسطوانة فأستتر بها، فإذا فرغت من صلواتي فأمر به فأسلم عليه وأصافحه.
314 - عنه، عن أبيه، عن فضالة، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي قال: قال علقمة أخى لابي جعفر (ع): أن أبا بكر قال: يقاتل الناس في علي، فقال لي أبو جعفر (ع): إني أراك لو سمعت إنسانا يشتم عليا فاستطعت أن تقطع أنفه فعلت، قلت: نعم، قال: فلا تفعل، ثم قال: إني لأسمع الرجل يسب عليا وأستتر منه بالسارية، فإذا فرغ أتيته فصافحته " اهـ
المحاسن – أحمد بن محمد بن خالد البرقي - ج 1 ص 260