القرآن الكريم ليس مجرد كلام يُتلى، بل هو نور يهدي القلوب، وشفاءٌ للصدور، ومصدر بركة لا ينضب. ولكي يكتمل أثر التلاوة ويُنال الأجر العظيم، وضع الإسلام آداباً دقيقةً تتعلق بكيفية التلاوة والاستماع، وحسن الانصات، والتحلي بالطهارة، والاستعاذة من الشيطان قبل كل قراءة. فالاستماع الواعي للقرآن والانصات له، مع التقدير والاحترام، يُكسب المستمع أجرًا عظيمًا، ويقيه من هموم الدنيا، ويهيئ قلبه للرحمة الإلهية.
كما يرفع التطهر للمتلو من قدره ويضاعف حسناته، بينما تُعد الاستعاذة في بداية التلاوة حماية روحية من وسوسة الشيطان، تفتح أبواب الطاعة وتُغلق أبواب المعصية. وفي هذا المقال نسلط الضوء على هذه الآداب المباركة للمتلو والمستمع على حد سواء، مستندين إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأقوال أهل البيت عليهم السلام، لنوضح كيف يجعل الإسلام تلاوة القرآن عبادة كاملة ومصدرًا لرفع الدرجات والفوز بالجنة.
الاستماع إلى القرآن والانصّات له
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يدفع الله عن مستمع القرآن بلوى الدنيا وعن قاريه بلوى الاخرة. والذي نفس محمد بيده لسامع آية من كتاب الله ـ وهو معتقد ـ أَعظم أَجراً من ثبير ذهباً يتصدق به. ولِقارئ آية من كتاب الله ـ معتقداً ـ أَفضل مما دون العرش إِلى أَسفل التخوم[1].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: قارىءُ القرآن والمستمع في الاَجر سواء[2].
وعن علي عليه السلام: من استمع قارياً يقرأَها ] أَي سورة الحمد [ كان له قدر ثلث ما للقارئ فليستكثر أَحدكم من هذا الخير المعرَض لكم فإِنه غنيمة فلا تذهبن أَوانُه فتبقى في قلوبكم حسرة[3].
وعن الامام الباقر محمد بن علي عليه السلام: يُستحب الاِنصاب والاستماع في الصلاة وغيرها لِلْقرآن[4].
وعن الامام الصادق عليه السلام: من استمعَ حرفاً من كتاب الله من غير قراءَة كتب الله له حسنة، ومحا عنه سيئة ورفع له درجة. ومن قرأَ نظراً من غير صلاة كتب الله له حسنة، ومحا عنه سيئة ورفع له درجة. ومن تعلم حرفاً ظاهراً كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات. لا أَقول بكل آية ولكن بكل حرف باء أَو تاء أَو شبههما[5].
وقال عليه السلام: يجب الاِنصات للقرآن في الصلاة وغيرها وإِذا قرأَ عندك القرآن وجب عليك الاِنصات والاستماع[6].
التَطَهُّر لتلاوة القرآن
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: نَظّفوا طريق القرآن. قالوا، يا رسول الله: وما طريق القرآن؟ قال: أَفواهكم. قالوا: بماذا؟ قال: بالسواك[7].
وعن على بن أبي طالب عليه السلام: لا يقرأُ العبدُ القرآنَ إِذا كان على غير طهور حتى يتطهر[8].
وقال عليه السلام: لقارىءِ القرآن بكل حرف يقرؤه في الصلاة قائماً مائة حسنة، وقاعداً خمسون حسنة، ومتطهراً في غير طلاة خمس وعشرون حسنة. وغير متطهر عشر حسنات[9].
وعن عن علي عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم لا يحجزه عن قراءَة القرآن إلا الجنابة[10].
الاستعاذة عند تلاوة القرآن
عن الامام الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام: اغلقوا أَبواب المعصية بالاستعاذة، وافتحوا أَبواب الطاعة بالتمسية[11].
وسئل عليه السلام عن التعوذ من الشيطان عند كل سورة يفتتحها. فقال عليه السلام: نعم، فتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم[12].
وعن الامام العسكرى الحسن بن علي عليه السلام: أَما قوله الذى ندبك الله إليه، وأَمرك به عند قراءَة القرآن: أَعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فإِن أَمير المؤمنين عليّ قال: وإن قوله: أَعوذ بالله أَى أَمنتع بالله والاستعاذة هى ماقد أَمر بالله به عباده عند قراءَتهم القرآن لقوله: وإِذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ومن تأَدّب بأَدب الله أَدّاه إلى الفلاح الدائم[13].
[1] - وسائل الشيعة، للحر العاملي، 6/175، بحار الأنوار، للمجلسي، 89/182، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/25
[2] - جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/23
[3] - الأمالي، للصدوق، 241، عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، للصدوق، 2/271، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 4/261، /329، بحار الأنوار، للمجلسي، 89/245، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/23، /86، مسند الإمام الرضا (عليه السلام)، لعزيز الله عطاردي، 1/311، 2/29، تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) - المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام)/29، تفسير مجمع البيان، للطبرسي، 1/49، تفسير نور الثقلين، للحويزي، 1/6، تفسير كنز الدقائق، للميرزا محمد المشهدي، 1/25، تأويل الآيات، لشرف الدين الحسيني، 1/23
[4] - الأصول الستة عشر - عدة محدثين/153، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 4/276، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 6/494، 15/163، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 8/468، الأصول الستة عشر من الأصول الأولية - تحقيق ضياء الدين المحمودي/363، مكيال المكارم - ميرزا محمد تقي الأصفهاني، 2/375
[5] - وسائل الشيعة، للحر العاملي، 6/188، عدة الداعي، لإبن فهد الحلي 270، بحار الأنوار، للمجلسي، 89/201، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 5/171
[6] - الموسوعة الفقهية الميسرة، لمحمد علي الأنصاري، 3/63، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 6/214، بحار الأنوار، للمجلسي، 85/22،
جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 6/494، تفسير مجمع البيان، للطبرسي، 4/419، تفسير الميزان، للطباطبائي، 8/386
[7] - الدعوات، لقطب الدين الراوندي، 161، الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني، 5/567، المحاسن، لأحمد بن محمد بن خالد البرقي، 2/558، دعائم الإسلام - القاضي النعمان المغربي، 1/119، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 2/22، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 1/367، مكارم الأخلاق، للطبرسي/51، النوادر - فضل الله الراوندي/201، بحار الأنوار، للمجلسي، 73/127 (الحاشية)، 131، 138، 77/343، 89/213، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 16/641، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 3/2527، تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) - المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام)/248 (الحاشية)، أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) عن طرق أهل السنة، لمهدي الحسيني الروحاني، 1/72
[8] - التحفة السنية، لعبد الله الجزائري، 104، الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني، 2/137، مستند الشيعة، للمحقق النراقي، 2/33، مصباح المنهاج، الطهارة، لمحمد سعيد الحكيم، 3/195 (الحاشية)، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 6/196، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/71
[9] - زبدة البيان، للمحقق الأردبيلي/98، كشف اللثام (ط.ج) - الفاضل الهندي، 1/121، مستند الشيعة، للمحقق النراقي، 2/32، جواهر الكلام، للجواهري، 1/15، شرح نجاة العباد - آخوند ملا أبو طالب الأراكي، 1/502، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 6/197، بحار الأنوار، للمجلسي، 77/312، 89/201، أعلام الدين في صفات المؤمنين - الديلمي/102
[10] - مستمسك العروة، للسيد محسن الحكيم، 3/65 (الحاشية)، فقه الصادق (عليه السلام)، لمحمد صادق الروحاني، 1/445 (الحاشية)، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 1/465، بحار الأنوار، للمجلسي، 78/68، 89/216، سنن النبي (ص)، للطباطبائي/341، تفسير الميزان، للطباطبائي، 6/337
[11] - الدعوات، لقطب الدين الراوندي، 52، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 5/304، بحار الأنوار، للمجلسي، 89/216، 90/313، 92/195، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/377، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 8/467، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 3/2527
[12] - وسائل الشيعة، للحر العاملي، 6/198، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 4/264، بحار الأنوار، للمجلسي، 89/215، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/72، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 3/2527، تفسير العياشي، لمحمد بن مسعود العياشي، 2/270، تفسير نور الثقلين، للحويزي، 3/85
[13] - مستند الشيعة، للمحقق النراقي، 5/174، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 6/197، بحار الأنوار، للمجلسي، 89/214، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/71