تعليم القرآن للأبناء وفضله والحث عليه

ليست تربية الأبناء في الإسلام مجرد عناية بالطعام واللباس والتعليم الدنيوي، بل هي قبل ذلك بناءٌ للعقيدة، وغرسٌ للنور في القلوب، وصياغةٌ للأرواح على هدي السماء. ومن أعظم ما يُغرس في قلب الطفل، وأشرف ما يُزرع في نفس الشاب، كلام الله تعالى؛ فهو الزاد الذي لا ينفد، والنور الذي لا ينطفئ، والعهد الذي يمتد أثره من الدنيا إلى الآخرة.

إن تعليم القرآن للأولاد ليس عملاً عابرًا، بل هو تجارة رابحة مع الله، تثمر بركة في الدنيا، وكرامة في الآخرة؛ حيث يُتوَّج الوالدان بتاج الملك، ويُكسَيان من حلل الجنة، ويُقال لهما: هذا بما علَّمتما ولدكما القرآن. فالآيات التي تُتلى في البيوت تتحول يوم القيامة إلى نور، والدموع التي تسيل في الحفظ تصير أوسمة شرف، والمشقّة في التعلّم تتضاعف أجرًا ورفعة.

وفي هذا المقال نسلّط الضوء على فضل تعليم القرآن للشباب والأولاد، ومكانة المعلّم والمتعلّم، وأثر ذلك في صلاح المجتمع، كما نستعرض الأحاديث التي تحث على تعلّمه وتعليمه، وتُبيّن عظيم الأجر لمن يجاهد نفسه على حفظه ولو بمشقّة، ليكون القرآن ربيع قلبه، ورفيق دربه، وشفيعه يوم الحساب.

تعليَمُ القُرآن للشّبَاب والاوْلاد

 قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تعلَّموا القرآن فإِنه يأْتي يوم القيامة صاحبَه في صورة شاب جميل شاحب اللون فيقول له: أَنا القرآن الذي كنت أسهرتُ ليلك، وأظمأْت هواجرك، وأجففت ريقك وأسبلت دمعك فابشرْ، فيؤتى بتاج فيوضع على رأْسه ويعطي الاَمان بيمينه، والخلد في الجنان بيساره، ويكسي حُلَّتين، ثم يقال له: اقرأْ وارق، فكلما قرأَ آية صعد درجة ويكسي أَبَواه حلتين إن كانا مؤمنين ثم يُقال لهما: هذا لما علَّمتماه القرآن[1].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: إِذا قال المعلِّم للصبيّ: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال الصبي: بسم الله الرحمن الرحيم كتب الله براءَة للصبي، وبراءَة لاَبويه، وبراءَة للمعلم[2].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ما من رجل علَّم ولدَه القرآنَ إِلا توّج الله أَبويه ـ يوم القيامة ـ بتاج المُلك وكسيا حلتين لم ير الناس مثلهما[3].

وقال: من عَلَّم ولده القرآن فكأَنما حجّ البيت عشرة آلاف حجة، واعتمر عشرة آلاف عمرة، وأعتق عشرة آلاف رقبة من ولد إسماعيل، وغزا عشرة آلاف غزوة، وأَطعم عشرة آلاف مسكين مسلم جائع، وكأَنما كسا عشرة آلاف عار مسلم، ويُكتب له بكل حرف عشر حسنات، ويمحو الله عنه عشر سيئات، ويكون معه في قبره حتى يُبعث، ويثقل ميزانه، ويجاوز به على الصراط كالبرق الخاطف، ولم يفارقه القرآن حتى يُنزل من الكرامة أَفضل ما يتمنى[4].

وعن علي عليه السلام: إن الله عزوجل ليهمّ بعذاب أَهل الاَرض جميعاً حتى لا يحاشي منهم أَحداً إِذا عملوا بالمعاصي واجترحوا السيِّئات، فإِذا نظر إِلى الشيب ناقلي أقدامهم إلى الصلوات، والولدان. يتعلمون القرآن رحمهم فأَخَر ذلك عنهم[5].

وروى أن عبد الرحمان السلمي علم ولد الحسين بن علي عليه السلام الحمد فلما قرأها على أبيه أعطاه ألف دينار، وألف حلة، وحشا فاه دراً، فقيل له في ذلك، فقال عليه السلام: وأَين يقع هذا من عطائه[6].

وعن الامام الصادق عليه السلام: من قرأَ القرآن وهو شاب مؤمن اختلط القرآنُ بلحمه ودمه، وجعله الله مع السفرة الكرام البررة، وكان القرآن حجيجاً عنه يوم القيامة، يقول: يا رَبِّ إن كل عامل قد أَصاب أَجر عمله غير عاملي فبلَّغْ به أكرمَ عطاياك. فيكسوه الله حلتين من حلل الجنة ويوضع على رأسه تاج الكرامة، ثم يقال له: هل أَرضيناك فيه؟ فيقول القرآن يا رب قد كنت أَرغبُ له فيما هو أَفضل من هذا، فيعطى الاَمن بيمينه والخلد بيساره ثم يدخل الجنة فيقال له: اقرأْ واصعد درجة. ثم يقال له: هل بلغنا به وأرضيناك؟ فيقول القرآن: نعم [7].

وعن الامام العسكري الحسن بن علي عليه السلام: في قول الله تعالى: ﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾. وذلك أن القرآن يأْتى ـ يوم القيامة ـ بالرجل الشاب يقول لربه: يا رب هذا أظمأْت نهاره وأَسهرت ليله وقوّيت في رحمتك طمعه، وفسحت في رحمتك أَمله فكن عند ظني فيك وظنه. يقول الله تعالى: أعطوه المُلك بيمينه، والخلد بشماله، واقرنوه بأَزواجه في الجنة، واكسوا والديه حُلة لا يقوم لها الدنيا بما فيها، فينظر إِليهما الخلائق فيعظمونهما، وينظران إِلى أَنفسهما فيعجبان منهما، فيقولان يا ربنا أَنَّى لنا هذه ولم تبلغها أَعمالنا؟ فيقول الله عزوجل: ومع هذا تاج الكرامة لم ير مثله الراءون ولم يسمع بمثله السامعون ولا يتفكر في مثله المتفكرون فيُقال: هذا بتعليمكما ولدكما القرآن، وبتبصير كما إِياه بدين الاِسلام، وبرياضتكما إِياه على حب محمد رسول الله وعلى وليّ الله صلوات الله عليهما، وتفقهكما إِياه بفقههما[8].

 فضَل تعلّم القرآن بمشَقّة:

 عن الامام الصادق عليه السلام: إن الذي يعالج القرآن ويحفظه بمشقَّة منه وقلة حفظ له أَجران[9].

وقال عليه السلام: من شُدِّدَ عليه في القرآن كان له أَجران ومن يُسّر له كان مع الاَولين[10].

وقال أيضاً عليه السلام: من قرأَه [ أَي القرآن ] كثيراً وتعاهده بمشقة، من شدة حفظه أعطاه الله عزوجل أَجر هذا مرتين[11].

 

الحَثّ على تعليم القرآن وتَعَلُّمِه:

 

 قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: القرآن مأْدبة الله فتعلَّموا مِن مأْدبة الله ما استطعتم، أنه النور المبين، والشفاءُ النافع، تعلَّموه فإِن الله يشرّفكم بتعلُّمه[12].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ما مِن مؤمن ذكراً أَو أُنثى، حراً أَو مملوكاً، إِلا ولله عليه حق واجب أَن يتعلم من القرآن[13].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: مَن عَلَّم آية من كتاب الله تعالى كان له أَجرها ما تُليت[14].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: من تَعَلَّمَ القرآن وتواضع في العلم وعلَّم عباد الله وهو يريد ما عند الله لم يكن في الجنة أَعظم ثواباً منه، ولا أَعظم منزلة منه، ولم يكن في الجنة منزلة وَلا درجة رفيعة ولا نفيسة إِلا وكان له فيها أَوفر النصيب، وأَشرف المنازل[15].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: خيارُكم من تعلَّم القرآن وعَلَّمه[16].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: تَعلَّموا القرآن فإِن مَثَل حامل القرآن كمثل رجل حمل جراباً مملوّاً مسكا إثن فتحه فتح طيباً، وان أَوعاه أَوعاه طيباً[17].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: أَيُّكم يحب أَن يغدو إِلى العقيق أَو إِلى بطحاءِ مكة فيؤتى بناقتين كوماوين حسنتين فيُدعى بهما إلى أَهله من غير مأْثم ولا قطيعة رحم؟ قالوا: كلنا نحب ذلك يا رسول الله. قال: لاَن يأْتى أَحدكم المسجد فيتعلم آيةً خير له من ناقة، أَو اثنتين خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث[18].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: معلِّم القرآن يستغفر له كل شيء حتى الحوت في البحر[19].

وعن علي عليه السلام: تعلَّموا القرآن فانه ربيع القلوب، واستشفوا بنوره فإِنه شفاءُ الصدور، وأَحسنوا تلاوته فإِنه أَنفع القصص فإِن العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهله، بل الحجة عليه أَعظم والحسرة له أَلزم، وهو عند الله أَلوم[20].

وقال عليه السلام: تعلَّموا القرآن فإِنه أَحسن الحديث، وتفقهوا فيه فإِنه ربيع القلوب[21].

وعن الصادق عليه السلام: ينبغي للمؤمن أَن لا يموت حتى يتعلم القرآن، أَو يكون في تعلمه[22].


[1] - الكافي، للكليني، 2/603، سائل الشيعة، للحر العاملي، 6/179، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/10، نهج السعادة، للمحمودي، 7/223

[2] - وسائل الشيعة، للحر العاملي، 6/169، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 4/386، بحار الأنوار، للمجلسي، 89/257، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/47، /151، العلم والحكمة في الكتاب والسنة، لمحمد الريشهري، 317، تفسير مجمع البيان، للطبرسي، 1/50، معارج اليقين في أصول الدين، لمحمد السبزواري/119، موسوعة العقائد الإسلامية، لمحمد الريشهري، 2/342

[3] - كشف الغطاء، لجعفر كاشف الغطاء، 2/299، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 6/168، الفصول المهمة في أصول الأئمة، للحر العاملي، 3/317، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/47، تفسير مجمع البيان، للطبرسي، 1/33

[4] - جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/46، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 9/101، معارج اليقين في أصول الدين، لمحمد السبزواري 132

[5] - ثواب الأعمال، للصدوق 39، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 9/100

[6] - مناقب آل أبي طالب، لإبن شهر آشوب، 3/222، لواعج الأشجان، للسيد محسن الأمين/16، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 17/263، أعيان الشيعة، للسيد محسن الأمين، 1/579

[7] - الكافي، للكليني، 2/603، ثواب الأعمال، للصدوق، 100، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 6/177، بحار الأنوار، للمجلسي، 7/305، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/44، ألف حديث في المؤمن، لهادي النجفي/282، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 9/105، /315

[8] - مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 4/246، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/45

[9] - وسائل الشيعة، للحر العاملي، 6/176، - موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 9/108

[10] - الكافي، للكليني، 2/607، شرح أصول الكافي، للمولى محمد صالح المازندراني، 11/31، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 9/100

[11] - الكافي، للكليني، 2/604، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 6/178، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/37، /44، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 9/315، نهج السعادة، للمحمودي، 7/226

[12] - مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 4/332، بحار الأنوار، للمجلسي، 89/268، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/90

[13] - مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 4/233، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/9

[14] - مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 4/235، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/9

[15] - جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/156

[16] - وسائل الشيعة، للحر العاملي، 6/167، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 4/233، الأمالي، للطوسي/357، بحار الأنوار، للمجلسي، 89/186، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/8، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 9/101، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 3/2521

[17] - جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/26

[18] - مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 4/234، الأمالي، للطوسي/357، بحار الأنوار، للمجلسي، 89/186، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/13، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 9/101

[19] - مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 4/235، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/9

[20] - وسائل الشيعة، للحر العاملي، 17/326، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 9/102

[21] - بحار الأنوار، للمجلسي، 108/21، العلم والحكمة في الكتاب والسنة، لمحمد الريشهري، 136، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 3/2454، /2521، /2561، 4/3386، الذريعة - آقا بزرگ الطهراني، 4/231، موسوعة العقائد الإسلامية، لمحمد الريشهري، 2/135

[22] - الدعوات، لقطب الدين الراوندي، 220، الكافي، للكليني، 2/607، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 6/167، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 17/327، عدة الداعي، لإبن فهد الحلي/269، الفصول المهمة في أصول الأئمة، للحر العاملي، 3/317، بحار الأنوار، للمجلسي، 89/189،

جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/7، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 9/100، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 3/2521