لم تكن البدع في تاريخ الإسلام حوادث عفويةً معزولة، بل كانت ـ في كثير من صورها ـ ثمرةً مباشرةً لاتباع الهوى، وتقديم الرأي على النص، والرغبة في الظهور والتفرد على حساب الاتباع والانقياد. فالمبتدع، وإن لم يدّعِ النبوة صراحةً، إلا أن فعله يحمل في طيّاته معنى الاستدراك على الشريعة، أو الإضافة إليها، أو الحذف منها، وكأن لسان حاله يقول إن في الدين ما يحتاج إلى إكمال أو تعديل. ومن هنا كان الابتداع لونًا من ألوان المنازعة لمقام التشريع، وخروجًا عن مقتضى التسليم لله ورسوله.

وقد نبّه القرآن الكريم إلى خطورة الهوى وآثاره المدمّرة في العقيدة والسلوك، كما حذّرت السنة الشريفة وأقوال أئمة الهدى من الانسياق وراء رغبات النفس وطموحات الظهور التي قد تدفع صاحبها إلى ادعاء ما ليس له، أو إلى تأسيس مسارات فكرية ومنهجية تخالف صريح الكتاب والسنة. وتُظهر التجارب التاريخية أن كثيرًا من الفرق والانحرافات نشأت من تقديم الهوى، أو من إضفاء العصمة على غير المعصوم، أو من جعل الآراء الشخصية مصدرًا للتشريع.

وفي هذا المقال نسلّط الضوء على العلاقة الوثيقة بين الهوى والابتداع، ونستعرض النصوص القرآنية والروائية التي كشفت جذور هذه الظاهرة، وبيّنت أن عصمة الأمة من الضلال إنما تكون بلزوم النص، وكبح جماح النفس، والوقوف عند حدود ما شرعه الله تعالى، دون زيادة أو نقصان.

والمبتدع وإن لم يكن متنبئا أو مدعيا للنبوة إلا أن عمله يعد نوعا من أنواع التنبؤ، لأنه يأتي بدين جديد، أو بشئ لم تفرضه الشريعة جزءاً من الدين، أو يحذف شيئا جعلته الشريعة جزءا من الدين، وقد دلت روايات كثيرة على هذا المعنى. وإن بعض البدع تنشأ من الهوى، فقد خطب أمير المؤمنين علي عليه السلام فقال: أيها الناس إنما بدء وقوع الفتن: أهواء تتبع، وأحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب الله، يتولى فيها رجال رجالا. ثم إن رغبة الظهور تلعب دورا كبيرا في حياة الإنسان، وإذا ما انفلتت هذه الرغبة من القيود الشرعية، وتركت تنمو وتتصاعد حتى تسيطر على مشاعر الإنسان وتتدخل في رسم سلوكه العام فإنها في نهاية المطاف ستدفع بصاحبها إلى ادعاء المقامات الرفيعة التي تختص بالأنبياء.

 روى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة:

 أن أمير المؤمنين عليا عليه السلام مر بقتلى الخوارج بعد معركة النهروان فقال: بؤسا لكم لقد ضركم من غركم، فقيل له: من غرهم يا أمير المؤمنين؟ فقال عليه السلام: الشيطان المضل، والنفس الأمارة بالسوء، غرتهم بالأماني وفسحت لهم في المعاصي ووعدتهم الاظهار فاقتحمت بهم النار.

§   قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص: 50].

§   وقال عز من قائل: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [صـ: 26]﴾.

§    وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:

 ما تحت ظل السماء من إله يعبد من دون الله أعظم عند الله من هوى متبع.

§   وقال أمير المؤمنين عليه السلام:

 إنما أخاف عليكم اثنتين: اتباع الهوى، وطول الأمل، أما اتباع الهوى فإنه يصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة.

§   وعن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال:

 احذروا أهواءكم كما تحذرون أعداءكم، فليس شئ أعدى للرجال من اتباع أهوائهم وحصائد ألسنتهم.

§   وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: يقول الله عز وجل، وعزتي وجلالي وعظمتي وكبريائي، ونوري، وعلوي، وارتفاع مكاني، لا يؤثر عبد هواه على هواي، إلا شتت عليه أمره، ولبست عليه دنياه، وشغلت قلبه بها، ولم أوته منها إلا ما قدرت له. لقد شهد تاريخ الإسلام منذ قرون معارك وحروبا وانحرافات ومذاهب وفرقا وبدعا جاءت كلها بسبب اتباع الأهواء والابتعاد عن جادة الصواب

§   ولذلك كله كانت التأكيدات النبوية على محاربة هوى النفس، لأن من تمكن من نفسه وسيطر على هواه يكون في منجاة من كل أنواع الضلالة والهلكة

وإن من أسباب نشوء البدع:

 التسليم لمن هو دون المعصوم، وجعله في مصاف مصادر التشريع، لأن غير المعصوم يصيب ويخطئ، وقد يكذب أحيانا فيكون التسليم لقوله واتباعه سببا للانحراف والابتداع والكذب على الله ورسوله

إن النبي الأكرم محمدا صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين، وكتابه القرآن الكريم خاتم الكتب، وشريعته خاتمة الشرائع، فلا حكم إلا ما حكم به، ولا سنة إلا ما سنه، والخروج عن هذا الإطار يمهد الطريق للمبتدعين

قال الإمام الباقر عليه السلام:

يا جابر إنا لو كنا نحدثكم برأينا وهوانا لكنا من الهالكين ولكنا نحدثكم بأحاديث نكنزها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم } كما يكنز هؤلاء ذهبهم وورقهم[1].

 

 

 


[1]، سيأتي تخريجه