شكَّل موضوع البدع ومحدثات الأمور محورًا رئيسًا في نصوص الشريعة الإسلامية، إذ ارتبط بحفظ الدين من التحريف، وصيانة السنة من الإهمال أو الاستبدال. وقد جاءت الأحاديث النبوية والآثار عن الصحابة وأئمة الهدى محذِّرةً من الغلو في التعبد، والتنطع في الدين، واتباع الأهواء، وإحداث ما لم يأذن به الله تعالى. فالشريعة قائمة على الاتباع لا الابتداع، وعلى الالتزام بالوحي لا الاستحسان العقلي المجرد، ولذلك كان الانحراف عنها ـ ولو بزعم التقرب إلى الله ـ سببًا للوقوع في الضلالة.

وتُظهر النصوص الواردة في هذا الباب توازن الإسلام في العبادة، ورفضه للرهبانية المصطنعة، أو التشدد الذي يجاوز حدود السنة، كما تؤكد أن كل عبادةٍ لم تثبت بنص صحيح، أو خالفت هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهي مردودة على صاحبها. وقد شددت هذه الروايات على خطورة البدعة لا من جهة الفعل فحسب، بل من جهة آثارها الممتدة في الأمة، إذ تؤدي إلى إحياء ما ليس من الدين وإماتة ما هو منه.

وقد جاء في ذم البدعة وأصحابها والمبالغة في التعبد لله تعالى، واتباع الهوى وسائر ما يخالف الكتاب والسنة أحاديث وآثار عدة.

نصوص التحذير من البدع:

¨    عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: خط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطا بيده، ثم قال: هذا سبيل الله مستقيما. ثم خط خطوطا عن يمين ذلك وعن شماله ثم قال: وهذه السبل، ليس من سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه. ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ [الأنعام: 153]﴾[1].

واستأذن عثمان بن مظعون رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الاستخصاء، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ليس منا من خصي أو اختصى إن خصاء أمتي الصيام. فقال: يا رسول الله ائذن لي في السياحة، فقال: إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله، فقال: يا رسول الله ائذن لي في الترهب، فقال: إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد انتظارا للصلاة[2].

¨    وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج من المدينة إلى مكة في شهر رمضان ومعه الناس وفيهم المشاة فلما انتهى إلى كراع الغميم دعا بقدح من ماء فيما بين الظهر والعصر فشربه وأفطر، ثم أفطر الناس معه وتم ناس على صومهم فسماهم العصاة، وإنما يؤخذ بآخر أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم[3].

¨    وعن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان في سفر فرأى رجلا عليه زحام قد ظلل عليه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ما هذا؟ قالوا: صائم، قال صلى الله عليه وآله وسلم: ليس من البر الصيام في السفر[4].

لذا قال الصادق عليه السلام أنه قال: لو أن رجلا مات صائما في السفر ما صليت عليه[5].

ورأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى رجلا قائما في الشمس فقال: ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن لا يتكلم ولا يستظل من الشمس، ولا يجلس، ويصوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مروه فليتكلم وليستظل وليجلس وليتم صيامه.

¨    ودخل أبو بكر على امرأة فرآها لا تكلم فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجت مصمتة، قال لها: تكلمي فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية فتكلمت.

¨    وهذا مالك بن أنس سأله رجل من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة، من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر، قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة. فقال: وأي فتنة هذه؟ إنما هي أميال أزيدها! قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: 63].

¨    وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه جاء زائراً لأبي الدرداء فوجد أم الدرداء مبتذلة، فقال: ما شأنك؟ قالت: إن أخاك ليست له حاجة في شئ من أمر الدنيا، قال: فلما جاء أبو الدرداء رحب لسلمان وقرب إليه طعاما فقال لسلمان أطعم، فقال: إني صائم، قال: أقسمت عليك إلا ما طعمت، فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: وبات عنده، فلما جاء الليل قام أبو الدرداء فحبسه سلمان قال: يا أبا الدرداء إن لربك عليك حقا وإن لجسدك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فصم وأفطر، وصل ونم، وأعط كل ذي حق حقه، فأتى أبو الدرداء النبي صلى الله عليه وآله فأخبره بما قال سلمان، فقال له مثل قول سلمان [6].

¨    وعن سعد بن أشجع رضي الله عنه أنه قال: إني أشهد الله، وأشهد رسوله، ومن حضرني، أن نوم الليل علي حرام، والأكل بالنهار علي حرام، ولباس الليل علي حرام، ومخالطة الناس علي حرام، وإتيان النساء علي حرام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا سعد لم تصنع شيئا، كيف تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، إذا لم تخالط الناس، وسكون البرية بعد الحضر كفر للنعمة، نم بالليل، وكل بالنهار، والبس ما لم يكن ذهبا، أو حريرا، أو معصفرا، وآت النساء[7].

¨    وعن أنس رضي الله عنه أنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسألون عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم تقالوه، وقالوا: أين نحن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: اما انا فأصلي الليل ابدا وقال الاخر: وانا أصوم الدهر ابدا، وقال الاخر: وانا اعتزل النساء قلا أتزوج ابدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - إليهم فقال: " أنتم الذين قلتم كذا وكذا!!! والله اني لأخشاكم لله وأتقاكم لله، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني[8].

والروايات في الباب كثيرة، وكلها شاهدة على موقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة والأئمة ممن أراد أو ظن أنه يتقرب إلى الله عزوجل بخلاف ما جاءت به الشريعة من عبادات توقيفة.


[1] أنظر: ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 4/2817، تفسير الميزان، للطباطبائي، 7/385

[2] في ظلال التوحيد، لجعفر السبحاني، 102، موسوعة الأحاديث الطبية، لمحمد الريشهري، 1/310، 374

[3] ذخيرة المعاد، للسبزواري، 1 ق 3/525، الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني، 13/396، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/125، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 9/293

[4] في ظلال التوحيد، لجعفر السبحاني، 103، نظرة عابرة إلى الصحاح الستة، لبد الصمد شاكر، 451

[5] الكافي، للكليني، 4/128، تهذيب الأحكام، للطوسي، 4/217، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 10/177، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 9/315، 317، المعتبر، للحلي، 2/694، مجمع الفائدة، للأردبيلي،، 5/196(الحاشية)، الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني، 13/188، غنائم الأيام، للميرزا القمي، 5/250، مستند الشيعة، للنراقي، 10/346، جواهر الكلام، للجواهري، 16/333

[6] بحار الأنوار، للمجلسي، 67/128

[7] فقه الصادق (عليه السلام)، لمحمد صادق الروحاني، 13/225(الحاشية)، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 12/183، النوادر، لفضل الله الراوندي، 153، بحار الأنوار، للمجلسي، 22/310، 67/129، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 14/392

[8] أنظر: زبدة البيان، للأردبيلي، 622، وضوء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لعلي الشهرستاني، 2/491، 493، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 16/54، عوالي اللئالي، لإبن أبي جمهور الأحسائي، 2/150، بحار الأنوار، للمجلسي، 62/112، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 19/498، سنن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، للطباطبائي 248، تفسير شبر، لعبد الله شبر 145(الحاشية)