يُعدّ باب الفضائل من أكثر الأبواب التي دخل منها الغلوّ والوضع في التراث الشيعي، حيث نُسبت إلى بعض الشخصيات روايات تتجاوز حدود الكرامة المشروعة إلى ادعاءات خارقة تمسّ نظام الكون، وتسند صفات تشريعية وتكوينية لبشر، وهو ما يتعارض صراحةً مع أصول التوحيد ومنهج القرآن الكريم في عرض المعجزات والكرامات.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما أورده الطبرسي في كتابه إعلام الورى بأعلام الهدى من قصةٍ تزعم أن الحيتان في نهر الفرات نطقت بالسلام على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأن الماء انحسر بأمره، وأن الأسماك الطاهرة وحدها نطقت دون غيرها، بزعم أنها تعرف الحلال من الحرام. وتُستعمل هذه الرواية وأمثالها لترسيخ مفهوم الولاية التكوينية ورفع الأئمة إلى مرتبة تتجاوز مقام البشر.
ويهدف هذا المقال إلى عرض الرواية كما وردت في مصادرها الشيعية، ثم إخضاعها للنقد العلمي من حيث السند والمتن والعقيدة، وبيان مخالفتها للقرآن والسنة، وكشف أهدافها العقدية وآثارها الخطيرة على مفهوم النبوة والتوحيد.
ومن ذلك:
حديث الحيتان وكلامهم له في فرات الكوفة، وذلك أن الماء طغى في الفرات حتى أشفق أهل الكوفة من الغرق، ففزعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فركب بغلة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وخرج الناس معه حتى أتى شاطئ الفرات فنزل عليه السلام وأسبغ الوضوء وصلى، والناس يرونه، ودعا الله عز وجل بدعوات سمعها أكثرهم، ثم تقدم إلى الفرات متوكئا على قضيب بيده حتى ضرب به صفحة الماء وقال: (انقص بإذن الله ومشيئته) فغاض الماء حتى بدت الحيتان من قعره، فنطق كثير منها بالسلام عليه بإمرة المؤمنين ولم ينطق منها أصناف من السمك وهي الجري والمار ما هي، فتعجب الناس لذلك، وسألوه عن علة نطق ما نطق وصمت ما صمت، فقال: (أنطق الله لي ما طهر من السمك، وأصمت عني ما نجس وحرم).
إعلام الورى بأعلام الهدى للطبرسي الجزء الأول ص352
الشبهة:
|
يستدل بعض الشيعة بهذه الرواية على أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه يملك سلطة تكوينية على الكون، وأن المخلوقات تعرفه وتخاطبه، وأنه يُميّز الحلال من الحرام في ذات الأشياء، مستدلين بنطق الحيتان الطاهرة وصمت النجسة. |
الرد على الشبهة:
أولًا: من جهة السند
◘ الرواية مرسلة بلا إسناد صحيح.
◘ لم ترد في كتب الحديث المعتمدة عند أهل السنة.
◘ الطبرسي ليس من أئمة الحديث بل جامع روايات بلا التزام بالصحة.
◘ القصة من أخبار الآحاد المتأخرة التي لا تقوم بها حجة، فضلاً عن العقائد.
ثانيًا: من جهة المتن
◘ نطق الحيوانات بالبشر لم يثبت إلا في مواضع نادرة بنص صحيح، ولم يكن تشريعًا دائمًا.
◘ دعوى أن السمك يعرف الحلال والحرام باطلة شرعًا؛ لأن التكليف خاص بالإنس والجن.
◘ جعل علي رضي الله عنه سببًا مباشرًا لانحسار الماء مخالف لمنهج القرآن الذي ينسب الأفعال الخارقة مباشرة إلى الله حتى مع الأنبياء.
ثالثًا: من جهة العقيدة
◘ الرواية تؤسس لفكرة الولاية التكوينية، وهي عقيدة لم يقل بها النبي ﷺ ولا الصحابة.
◘ فيها رفع لعلي رضي الله عنه إلى مقام التحكم في الكون وتمييز الطاهر من النجس، وهو اختصاص إلهي وتشريعي.
◘ لم يُنقل عن علي نفسه ولا عن أهل بيته إنكار من خالفه بسبب عدم الاعتقاد بهذه الأمور.
رابعًا: مخالفتها للقرآن
قال الله تعالى: ﴿قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ فإذا كان هذا خطاب النبي ﷺ، فكيف يُنسب لغيره ما هو أعظم؟