إن من أعظم ما امتازت به هذه الأمة عنايتها الفائقة بالسنة النبوية، تمييزًا بين صحيحها وسقيمها، وذلك عبر علوم دقيقة وضعها أئمة الحديث، كعلم الجرح والتعديل، الذي يُعرف به حال الرواة، ويُميز به المقبول من المردود.

وقد تسللت عبر القرون بعض الروايات الضعيفة والموضوعة إلى كتب الحديث، إما بسبب تساهل بعض المصنفين، أو اعتمادهم على أسانيد ظاهرها الصحة دون التمحيص الدقيق في أحوال الرجال. ومن هذه الروايات حديث يُنسب إلى الزبير بن العوام رضي الله عنه، وفيه أنه دخل مع النبي ﷺ وبعض نسائه في لحاف واحد.

وقد حكم الحاكم بصحته، وجرى الذهبي على موافقته في الظاهر، غير أن النظر الدقيق في سنده يكشف عن علل قادحة، أبرزها وجود رواة متهمين بالكذب والوضع، مما يجعل تصحيح الحديث محل نظر شديد.

وقد استغلت بعض الفرق الضالة، وعلى رأسها الرافضة، مثل هذه الروايات للطعن أو لإثارة الشبهات، معتمدين على أقوال مجتزأة أو توثيقات غير محررة، متجاهلين أقوال جمهور النقاد من أئمة الحديث.

ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال، الذي يسعى إلى كشف حقيقة هذا الحديث، وبيان درجته، مع الالتزام بالمنهج العلمي لأهل السنة والجماعة، القائم على العدل والإنصاف، وردّ الباطل كائنًا من كان قائله.

ثم أدخلني في اللحاف مع بعض نسائه فصرنا ثلاثة (قول الزبير)

حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن سنان القزاز ثنا إسحاق بن إدريس ثنا محمد بن حازم ثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: «أرسلني رسول الله e في غداة باردة فأتيته وهو مع بعض نسائه في لحافه فأدخلني في اللحاف فصرنا ثلاثة».

قال الحاكم »هذا صحيح الإسناد«.

(المستدرك3/410 أو364). وجاراه الذهبي.

لعل الذهبي وهم في مماشاة الحاكم في التصحيح.

فيه محمد بن سنان:

وهو كذاب كما قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل.

(الجرح والتعديل7/279).

 ورماه أبو داود وعبد الرحمن بن خراش بالكذب وأنه ليس بثقة» كل ذلك باعتراف الذهبي نفسه..

(أنظر المغني في الضعفاء2/589 وميزان الاعتدال3/575).

 ومقارب قول الحافظ فيه أنه ضعيف (تقريب التهذيب).

قال الآجري « وسمعته يعني أبا داود يتكلم في محمد بن سنان يطلق فيه الكذب وقال أبن أبي حاتم كتب عنه أبي بالبصرة وكان مستورا في ذلك الوقت فأتيته أنا ببغداد وسألت عنه بن خراش فقال هو كذاب.

 روى حديث والان عن روح بن عبادة فذهب حديثه قال يعقوب بن شيبة قال لي علي بن المديني ما سمع هذا الحديث من روح بن عبادة غيري وغير سهل بن أبي خدويه وقال بن عقدة في أثره نظر سمعت عبد الرحمن بن يوسف يذكره فقال ليس عندي بثقة وقال الحاكم عن الدارقطني لا بأس به قال بن قانع وابن مخلد مات سنة إحدى وسبعين ومائتين قلت أن كان عمده من كذبه كونه ادعى سماع هذا الحديث من بن عبادة فهو جرح لين لعله استجاز روايته عنه بالوجادة».

والحافظ قد أتى بأمر محتمل لا يبطل به موقف هؤلاء العلماء من محمد بن سنان. فإن روايته عن ابن عبادة بالوجادة محتمل غير قطعي. وأما من وثقه فغير سديد، فإن الأصل تقديم الجرح إذا كان بين سبب تجريحه وسبب ذلك عندهم ادعاءه السماع من ابن عبادة.

أقول: هذا لأن الرافضة قد عولوا على قول الحافظ ودلسوه على الناس وأوهموهم أن الحافظ يوثق ابن سنان. وهو من تدليسهم فإن الحافظ يصرح بأنه إذا كان سبب تكيبه كونه سمع من ابن عبادة فربما كان التحديث عن طريق الوجادة والوجادة جرحها قليل. لكن الحافظ نفسه لم يقطع في تحقق الرواية بالوجادة وإنما هو امر محتمل عنده. وتخفيف الجرح عنه من كذاب الى ضعيف بمقتضى هذا الاحتمال غير سديد منه.

على أن الحافظ انتهى في التقريب إلى تضعيف ابن سنان. وهذا ما يتجاهله الرافضة.

وفيه إسحاق بن إدريس هو الأسواري:

وهو متهم بالوضع عند الذهبي وغيره

(ميزان الاعتدال1/184 المغني في الضعفاء1/32).

 فكيف يكون صحيحا عند الذهبي؟

وكذلك تركه ابن المديني وقال النسائي: «متروك». وقال الإمام البخاري: «تركه الناس».

وقال ابن معين: «كذاب يضع الحديث».

وقال أبو زرعة: «واهي الحديث».

وقال ابن حبان: «كان يسرق الحديث». ولهذا حكم عليه الألباني بأنه» موضوع «

(سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة رقم2662).