الحمد لله الذي حفظ لهذه الأمة دينها، وهيأ لها من العلماء من يبين الحق ويدفع الشبهات، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فإن من أعظم الفتن التي ظهرت في الأمة، الطعن في أصحاب رسول الله ﷺ، وخاصة في أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها، التي كانت من أحب الناس إلى رسول الله ﷺ، وأعلمهم بدينه. وقد سعى أهل الأهواء من الفرق الضالة إلى استغلال بعض الوقائع التاريخية، كحادثة الجمل، لبناء شبهات يطعنون بها في عدالتها ومكانتها.

ومن أبرز هذه الشبهات:

الاستدلال بحديث «أيتكن تنبح عليها كلاب الحوأب»، ومحاولة تصوير خروج عائشة رضي الله عنها على أنه مخالفة صريحة للنبي ﷺ. غير أن التحقيق العلمي في هذا الحديث، وفي سياق الحادثة، يكشف أن الأمر لا يعدو كونه اجتهادًا منها رضي الله عنها، قصدت به الإصلاح بين المسلمين، ولم تخرج لطلب دنيا ولا لإثارة فتنة.

كما أن أهل السنة والجماعة يقررون قاعدة عظيمة، وهي أن الصحابة قد يقع منهم الخطأ، لكنهم مع ذلك خير الأمة، وخطؤهم مغفور باجتهادهم وسبق فضلهم. ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال، لبيان حقيقة الحديث، ودفع الشبهات، ووضع الأمور في نصابها الصحيح.

تمهيد: نص الحديث وصحته:

ورد حديث الحوأب عن عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها، وفيه: «أيتكن تنبح عليها كلاب الحوأب»

وقد صححه عدد من أهل العلم، ومنهم محمد ناصر الدين الألباني، مع التنبيه على بعض الروايات الضعيفة المتعلقة به.

هل يدل الحديث على الذم؟

الحديث لا يتضمن ذمًا صريحًا، بل هو إخبار غيبي بوقوع حادثة، وهي مرور إحدى زوجات النبي ﷺ بمكان يسمى الحوأب، ووقوع فتنة حولها.

لم يأمر النبي ﷺ بمنعها

ولم يحكم عليها بالمعصية

ولم يحدد أن خروجها سيكون حرامًا

وبالتالي فالحديث إخبار لا إنكار.

خروج عائشة رضي الله عنها: اجتهاد للإصلاح

خرجت عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها في سياق أحداث الفتنة الكبرى، وكان هدفها:

الإصلاح بين المسلمين

تهدئة النزاع

جمع الكلمة

وقد صرحت بذلك بقولها:

"خرجت في المسلمين أعلمهم بما فيه الناس، وما ينبغي من إصلاح هذا الأمر"

فلم يكن خروجها لقتال، ولا لطلب ملك أو دنيا.

هل أخطأت رضي الله عنها؟

نعم، يرى أهل السنة أنها اجتهدت فأخطأت، وهذا لا يقدح في فضلها، لأن:

الخطأ وارد على غير الأنبياء

المجتهد إن أخطأ فله أجر

وقد وقع مثل ذلك من بعض الأنبياء عليهم السلام

مسألة "شهادة الزور":

الرواية التي فيها أن طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام شهدا زورًا بأن المكان ليس الحوأب:

مختلف في صحتها

وقد ضعفها عدد من العلماء

وحتى من صحح أصل الحديث، لم يجزم بثبوت هذه الزيادة

ولذلك لا يصح بناء طعن على رواية مضطربة.

موقف الصحابة من الحادثة:

قال عمار بن ياسر رضي الله عنه:

"إنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها"

وهذا يدل على:

ثبوت فضلها

وأن ما وقع كان ابتلاءً

لا طعنًا في دينها

هل ندمت عائشة رضي الله عنها؟

نعم، ثبت أنها كانت تقول:

"ليتني كنت نسياً منسياً"

لكن هذا الندم:

من باب الورع والخوف

لا من باب الاعتراف بمعصية

وقد قال مثل ذلك كبار الصحابة، مثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

مقارنة تكشف التناقض:

من التناقض عند المخالفين:

يطعنون في خروج عائشة رضي الله عنها

ويجيزون خروج الحسين بن علي رضي الله عنه

وهذا تناقض ظاهر في المعايير.

خاتمة:

يتبين من خلال هذا العرض أن حديث الحوأب لا يحمل طعنًا في أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها، وأن خروجها كان اجتهادًا قصدت به الإصلاح، وإن أخطأت فيه. كما أن ما يُثار حول هذه الحادثة من شبهات، إنما هو نتيجة قراءة مبتورة للنصوص، أو اعتماد على روايات غير ثابتة.

ويبقى الصحابة رضي الله عنهم صفوة هذه الأمة، وخير قرونها، ولا يجوز الطعن فيهم أو الانتقاص منهم، بل يجب الكف عما شجر بينهم، والترضي عنهم أجمعين.