شبهة قول عائشة: ما أنزل الله فينا شيئًا والرد عليها
تُثار بين الحين والآخر شبهات حول بعض النصوص الواردة في كتب السنة، ويُحاول البعض توظيفها للطعن في فضائل الصحابة رضي الله عنهم، وعلى رأسهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه. ومن أبرز تلك الشبهات الاستدلال بقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «ما أنزل الله فينا شيئًا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري»، زاعمين أن هذا يدل على عدم نزول آيات في فضل أبي بكر أو أهل بيته.
وهذا الفهم القاصر للنصوص هو نتيجة اجتزاء الروايات عن سياقها، وعدم الجمع بين الأدلة، بل وتحميل الكلام ما لا يحتمل. كما أن هذه الشبهة تُستغل عند بعض الفرق الضالة للطعن في النصوص الثابتة، رغم وجود أدلة صريحة من القرآن والسنة، بل وحتى من كتبهم، تثبت فضل أبي بكر ومكانته، وتؤكد نزول آيات في حقه.
ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال في بيان المعنى الصحيح لكلام عائشة رضي الله عنها، ورفع الإشكال، مع إيضاح الأدلة التي تثبت فضل الصديق رضي الله عنه، والرد العلمي على هذه الشبهة.
ما أنزل الله فينا شيئا (قول عائشة)
حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن يوسف بن ماهك قال كان مروان على الحجاز استعمله معاوية فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا فقال خذوه فدخل بيت عائشة فلم يقدروا فقال مروان إن هذا الذي أنزل الله فيه ﴿والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني﴾ فقالت عائشة من وراء الحجاب ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري»
(رواه البخاري6/133 ح4827).
يستدل الرافضة بهذه الرواية على أنه لم ينزل شيء في حق أبي بكر. وبالتالي فقوله تعالى ﴿إذا هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ أنها ليست في أبي بكر.
وقد نزلت آيات عديدة في حق أبي بكر وأهل بيته.
حدثنا به القاسم قال، حدثنا الحسين قال حدثنا حجاج عن ابن جريج قال: «قال عكرمة في قوله ﴿لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا﴾ قال: نزلت هذه الآية في النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أبي بكر رضوان الله عليه، وفي فنحاص اليهودي سيد بني قينُقاع قال: بعث النبي e أبا بكر الصديق رحمه الله إلى فنحاص يستمدُّه، وكتب إليه بكتاب وقال لأبي بكر: لا تَفتاتنَّ عليّ بشيء حتى ترجع. فجاء أبو بكر وهو متوشِّح بالسيف، فأعطاه الكتاب، فلما قرأه قال: قد احتاج ربكم أن نمده! فهمّ أبو بكر أن يضربه بالسيف ثم ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تفتاتنّ علي بشيء حتى ترجع»
(تفسير الطبري7/455).
حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج قال: حُدثت أن قوله ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ نزلت في أبي بكر في شأن مِسْطَح»
(تفسير الطبري4/423).
حدثنا ابن عبد الأعلى قال ثنا ابن ثور عن معمر قال أخبرني سعيد عن قتادة في قوله ﴿وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ قال: نزلت في أبي بكر»
(تفسير الطبري24/479).
الشاهد من الرواية:
أن من يؤذي أبا بكر إما يهودي وإما مشرك.
ومن أبى ما نقول فإننا نحيله إلى هذه النصوص من كتب مراجعه ومشايخه من الشيعة.
جاء في شرح نهج البلاغة عن علي رضي الله عنه أنه قال:
«وإنا لنرى أبا بكر أحق الناس بها، إنه لصاحب الغار، وإنا لنعرف له سنه، ولقد أمره رسول الله بالصلاة بالناس وهو حي»
(شرح نهج البلاغة" لأبي أبي الحديد ج1 ص132).
◘ قال الطوسي في تفسير الآية «وهو أبو بكر في وقت كونهما في الغار»
(التبيان5/220).
◘ وقال الفيض الكاشاني «إذ يقول لصاحبه وهو أبو بكر»
(تفسير الصافي2/344).
◘ وقال الطباطبائي «والمراد بصاحبه هو أبو بكر للنقل القطعي» وقال أيضا «إذ يقول لصاحبه وهو أبو بكر»
(تفسير الميزان9/279-280).
◘ قال المفيد «فإن قالوا: أفليس قد آنس الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بأبي بكر في خروجه إلى المدينة للهجرة، وسماه صاحبا له في محكم كتابه، وثانيا لنبيه صلى الله عليه وآله في سفره، ومستقرا معه في الغار لنجاته، فقال تعالى ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ وهذه فضيلة جليلة يشهد بها القرآن؟ قيل لهم: أما خروج أبي بكر مع النبي صلى الله عليه وآله فغير مدفوع، وكونه في الغار معه غير مجحود»
(الافصاح للمفيد ص185).