حديث الحوأب وخروج عائشة رضي الله عنها: قراءة علمية في الشبهة
أعظم الفتن التي ظهرت في الأمة، الطعن في أصحاب رسول الله ﷺ، وخاصة في أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها، التي كانت من أحب الناس إلى رسول الله ﷺ، وأعلمهم بدينه. وقد سعى أهل الأهواء من الفرق الضالة إلى استغلال بعض الوقائع التاريخية، كحادثة الجمل، لبناء شبهات يطعنون بها في عدالتها ومكانتها.
ومن أبرز هذه الشبهات:
الاستدلال بحديث «أيتكن تنبح عليها كلاب الحوأب»، ومحاولة تصوير خروج عائشة رضي الله عنها على أنه مخالفة صريحة للنبي ﷺ. غير أن التحقيق العلمي في هذا الحديث، وفي سياق الحادثة، يكشف أن الأمر لا يعدو كونه اجتهادًا منها رضي الله عنها، قصدت به الإصلاح بين المسلمين، ولم تخرج لطلب دنيا ولا لإثارة فتنة.
كما أن أهل السنة والجماعة يقررون قاعدة عظيمة، وهي أن الصحابة قد يقع منهم الخطأ، لكنهم مع ذلك خير الأمة، وخطؤهم مغفور باجتهادهم وسبق فضلهم. ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال، لبيان حقيقة الحديث، ودفع الشبهات، ووضع الأمور في نصابها الصحيح.
أيتكن تنبح عليها كلاب الحوأب:
عن قيس بن أبي حازم أن عائشة لما نزلت على الحوأب سمعت نباح الكلاب فقالت ما أظنني إلا راجعة سمعت رسول الله e يقول «أيتكن ينبح عليها كلاب الحوأب؟ فقال لها الزبير ترجعين عسى الله أن يصلح بك بين الناس رواه أحمد وأبو يعلى والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح.
وعن ابن عباس قال: رسول الله e لنسائه ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأدب تخرج فينبحها كلاب الحوأب يقتل عن يمينها وعن يسارها قتلى كثير ثم تنجو بعد ما كادت».
قال الهيثمي: «رواه البزار ورجاله ثقات» (مجمع الزوائد 7/234).
معنى كادت: أي كادت تقتل معهم.
والحديث صحيح كما بين الألباني ولكنه نبه على رواية «فشهد طلحة والزبير أنه ليس هذا ماء الحوأب.. فكانت أول شهادة زور في الإسلام»
(سلسلة الصحيحة1/227 عند حديث رقم475).
وقد عاتب الشيخ الألباني على القاضي ابن العربي نكارته للحديث غير أنه وافقه في كذب شهادة الزور المزعومة.
وأوضح أن خروج عائشة كان خطأ ولكن ليس فيه معصية للحديث. فإن الحديث يشير إلى أنها سوف تكون في مكان تقع فيه فتن ويموت فيه كثير من الناس فلما قفلت عائدة ذكرها طلحة والزبير بأهمية موقفها لتحقيق الصلح الذي كان يطمع الناس في حصوله ببركتها وتقدير الناس لها.
وهي مع ذلك مخطئة رضي الله عنها. وإذا كنا نرى مواقف عاتب الله عليها أنبياءه فتوقع الخطأ ممن هو دون النبي أولى، فموسى قتل نفسا ونسي ما عاهد به الخضر. وذا النون ذهب مغاضبا. ثم هذا لا ينقص شيئا من فضائلها بل هو في ذاته فتنة للمحرومين من الانصاف والعقل والدين. ولذلك قال عمار بن ياسر «والله إني لأعلم أنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة ولكن الله ابتلاكم بها ليعلم إياه تطيعون أم هي»
(رواه البخاري).
ثم روى الألباني روايات تؤكد أن عبد الله بن الزبير كان معها وهو محرم لها. روى إسماعيل بن علية عن أبي سفيان بن العلاء المازني عن ابن أبي عتيق قال: قالت عائشة: إذا مر ابن عمر فأرونيه. فلما مر بها قيل لها هذا ابن عمر فقالت: يا أبا عبد الرحمن ما منعك أن تنهاني عن مسيري؟ قال رأيت رجلا قد غلب عليك يعني ابن الزبير»
( الاستيعاب لابن عبد البر3/910 سير أعلام النبلاء2/93 و3/211 نصب الراية للزيلعي4/69 ).
فهي لم تخرج طلبا للمتعة كما تفعل نساء الشيعة.
ولم تخرج لمجرد طلب حظ دنيوي وإنما خرجت لتحقيق هدف عظيم وهو الحث على الصلح بين المسلمين. وكانت إذا سئلت عن سبب خروجها قالت:
«إن الغوغاء ونزاع القبائل فعلوا ما فعلوا فخرجت في المسلمين أعلمهم بذلك وبالذي فيه الناس وراءنا وما ينبغي من إصلاح هذا الأمر. ثم قرأت ﴿لا خير في كثير من نجواهم﴾
(تاريخ خليفة بن خياط2/609 الكامل في التاريخ3/104 البداية والنهاية7/232).
عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنسائه: "أيتكن صاحبة الجمل إلا دبب تنبحها كلاب الحوأب يقتل عن يمينها وشمالها قتلى كثير ثم تنجو بعد ما كادت"، قيل فيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقف على أي أزواجه يكون ذلك منها وليس كذلك فإنه صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي: "أنه سيكون بينك وبين عائشة أمر"؟ قال: نعم قال: أنا من بين أصحابي؟ قال: نعم قال: فأنا أشقاهم يا رسول الله، قال: "لا فإذا كان ذلك فأرددها إلى مأمنها"، ولا تضاد بينهما إذ يجوز أن يكون أعلم الله تعالى نبيه إحدى زوجاته إجمالا ثم بينها له بيانا شافيا فخاطب عليا بما خاطبه بعد ذلك.
المعتصر من المختصر من مشكل الاثار ج 2 ص 362
وتتهم عائشة بأنها خرجت على إمام زمانها. مع أنه لم يثبت. مع أنهم يجيزون للحسين أن يخرج على إمام زمانه.
كما أنهم زعموا أن عمر منع النبي من كتابة الوصية ولم يمتثل لأمر الله ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ مع انهم أجازوا لفاطمة أن لا تمتثل لأمر الله ووحيه إلى نبيه أن العلماء ورثة الأنبياء وأن الأنبياء لا يورثون درهما ولا دينارا». وهو حديث صححه الشيعة.
هل ندمت عائشة على ما فعلت؟
وأخرج ابن سعد في طبقاته: أن «ابن عباس دخل على عائشة قبل موتها فأثنى عليها: فلمّا خرج، قالت: لابن الزبير. أثنى عليَّ عبداللّه بن العباس ولم أكن أُحبّ أن أسمع أحداً اليوم يثني عليَّ. لوددت أنّي كنت نسياً منسيا» (الطبقات الكبرى8/75).
وفي بلاغات النساء (146): أنَّ عائشة لمّا احتضرت جزعت فقيل لها: أتجزعين؟ يا أُمّ المؤمنين! وابنة أبي بكر الصدّيق؟ فقالت: إن يوم الجمل لمعترضٌ في حلقي. ليتني مت قبله، أو كنت نسياً منسياً
ذكره أبو الفضل بن أبي طاهر في (بلاغات النساء1/373) والبيهقي في (الاعتقاد1/373).
وهذا الذي قالته رضي الله عنها إنما هو على عادة أهل الورع في شدة الخوف على أنفسهم وهو كقول عمر بن الخطاب «ليتني لم أخلق، ليت أمي لم تلدني، ليتني لم أك شيئا، ليتني كنت نسيا منسيا».
وقول أبي عبيدة بن الجراح:
«وددت أني كنت كبشا فيذبحني أهلي؟ يأكلون لحمي ويحسون مرقتي، قال: وقال عمران بن الحصين: وددت أني رماد على أكمة تسفيني الرياح في يوم»
(مصنف عبد الرزاق11/307).
وقد روى الشيعة ما يشبهه عن علي أنه كان يقول «يا ليتني لم تلدني أمي، ويا ليت السباع مزقت لحمي، ولم أسمع بذكر النار. ثم وضع يده على رأسه وجعل يبكي»
(بحار الأنوار8/203 و43/88 الدروع الواقية ص276 لابن طاووس الحسني).