تتعدد الشبهات والأحاديث الملفقة التي تروجها بعض الفرق الضالة بهدف تشويه الدين، ومن أبرزها ما يروجه الشيعة حول مسائل الفقه مثل رضاع الكبير. وقد وردت أحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تبين أن هذا الحكم خاص بسالم مولى أبي حذيفة، ولا يشمل غيره من الناس. ومع ذلك، نجد بعض المغالين يفسرون هذه النصوص بشكل خاطئ لتضليل العامة أو نسب الأحكام لغير موضعها. هذا المقال يوضح الحكم الشرعي الصحيح من السنة والفقهاء، ويبين الأدلة من كتب أهل السنة، كما يوضح الخلاف بين اجتهاد أم المؤمنين وبين جمهور الصحابة والتابعين، ويفضح محاولات الشيعة لإقحام أحكام غير صحيحة ضمن نصوصهم.

قال الإمام مسلم:

" 26 - (1453) حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ وَهُوَ حَلِيفُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرْضِعِيهِ»، قَالَتْ: وَكَيْفَ أُرْضِعُهُ؟ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ»، زَادَ عَمْرٌو فِي حَدِيثِهِ: وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "

 

صحيح مسلم - بَابُ رِضَاعَةِ الْكَبِيرِ – ج 2 ص 1076

وهذا الحديث خاص بسالم مولى ابي حذيفة.

 قال الإمام ابن عبد البر:

" وَمِمَّنْ قَالَ إِنَّ رَضَاعَةَ الْكَبِيرِ لَيْسَ بِشَيْءٍ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وعبد الله بن مسعود وبن عمر وأبو هريرة وبن عَبَّاسٍ وَسَائِرُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ عَائِشَةَ وَجُمْهُورُ التَّابِعِينَ وَجَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْهُمُ اللَّيْثُ وَمَالِكٌ وبن أبي ذئب وبن أبي ليلى وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَالطَّبَرِيُّ وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ وَلَا رَضَاعَةَ إِلَّا مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَالدَّمَ))"

الاستذكار – أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر – ج 6 ص 256

فقد ذكر الإمام ابن عبد البر ان الصحابة وامهات المؤمنين رضي الله عنهم وكذلك جمهور التابعين وجماعة فقهاء الامصار قد ذهبوا الى تخصيص رضاع الكبير في سالم مولى ابي حذيفة فقط دون غيره.

وفي سنن الإمام الدارمي:

 "2303- أَخْبَرَنَا أبو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَكَانَتْ تَحْتَ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: إِنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ يَدْخُلُ عَلَيْنَا، وَأَنَا فُضُلٌ، وَإِنَّمَا نَرَاهُ وَلَدًا، وَكَانَ أبو حُذَيْفَةَ تَبَنَّاهُ كَمَا تَبَنَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْدًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ [الأحزاب: 5] فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ تُرْضِعَ سَالِمًا، قَالَ أبو مُحَمَّد: «هَذَا لِسَالِمٍ خَاصَّةً»

"سنن الدارمي – أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي – ج 3 ص 1448

وقال الإمام البيهقي:

 " 15650 - أَخْبَرَنَا أبو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أنا أبو الْفَضْلِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أبو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ أَنَّ أُمَّهُ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ أُمَّهَا أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ تَقُولُ: " أَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ أَحَدًا بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ: وَاللهِ مَا نَرَى هَذِهِ إِلَّا رُخْصَةً أَرْخَصَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَالِمٍ خَاصَّةً فَمَا هُوَ بِدَاخِلٍ عَلَيْنَا أَحَدٌ بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ وَلَا رَائِينَا " أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، هَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ وَإِذَا كَانَ هَذَا لِسَالِمٍ خَاصَّةً فَالْخَاصُّ لَا يَكُونُ إِلَّا مُخْرِجًا مِنْ حُكْمِ الْعَامَّةِ وَلَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَضَاعُ الْكَبِيرِ لَا يُحَرِّمُ"

السنن الكبرى – أبو بكر احمد بن الحسين البيهقي – ج 7 ص 757

وقال الإمام الترمذي:

 " 1185 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا أبو عَوَانَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «لاَ يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ إِلاَّ مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ فِى الثَّدْىِ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ». قَالَ أبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الرَّضَاعَةَ لاَ تُحَرِّمُ إِلاَّ مَا كَانَ دُونَ الْحَوْلَيْنِ وَمَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ الْكَامِلَيْنِ فَإِنَّهُ لاَ يُحَرِّمُ شَيْئًا. وَفَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ هِىَ امْرَأَةُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ "

سنن الترمذي - باب مَا جَاءَ مَا ذُكِرَ أَنَّ الرَّضَاعَةَ لاَ تُحَرِّمُ إِلاَّ فِى الصِّغَرِ دُونَ الْحَوْلَيْنِ – ج 4 ص 488

وقال الإمام النووي:

 "وَقَالَ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَعُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ إِلَى الْآنِ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِإِرْضَاعِ مَنْ لَهُ دُونَ سَنَتَيْنِ إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ فَقَالَ سَنَتَيْنِ وَنِصْفٍ وَقَالَ زُفَرُ ثَلَاثِ سِنِينَ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةُ سَنَتَيْنِ وَأَيَّامٍ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنَ لِمَنْ أراد أن يتم الرضاعة وَبِالْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ وَبِأَحَادِيثَ مَشْهُورَةٍ وَحَمَلُوا حَدِيثَ سَهْلَةَ عَلَى أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهَا وَبِسَالِمٍ وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَسَائِرِ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُنَّ خَالَفْنَ عَائِشَةَ فِي هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ "

شرح صحيح مسلم – يحيى بن شرف النووي – ج 10 ص 30 – 31

فالأمر لا يعدو ان يكون اجتهادا من ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وقد خالفها الصحابة وامهات المؤمنين رضي الله عنهم جميعا.

الشبهة:

قد يشكك البعض في حديث رضاع الكبير ويقولون إن الرضاعة تجوز للكبار عمومًا أو أن النصوص غير واضحة، كما يحاول بعض المغالين تحريف الحديث لجعله يشمل غير سالم مولى أبي حذيفة.

الرد:

الأحاديث الصحيحة عن صحيح مسلم، وسنن الدارمي، وسنن الترمذي، والبيهقي تؤكد أن هذا الحكم خاص بسالم مولى أبي حذيفة فقط.

الإمام ابن عبد البر في كتابه الاستذكار يوضح أن جمهور الصحابة ونساء النبي وأئمة الفقهاء مثل مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل أجمعوا على أن رضاع الكبير لا يثبت إلا في حالة سالم مولى أبي حذيفة.

هذا الاجتهاد الخاص من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لم يكن قاعدة عامة، بل كان استثناءً لحاجة خاصة، بينما مخالفة بقية الصحابة وأمهات المؤمنين تؤكد أن هذا الحكم ليس عامًّا.

بالتالي، أي حديث أو تفسير يدعي رضاع الكبار بشكل عام، أو يحرف النصوص، فهو مخالف للسنة ومرفوض شرعًا.