من أعظم القضايا التي دار حولها الجدل بين فرق الأمة قضية الصحابة رضي الله عنهم؛ إذ هم الجيل الذي اختاره الله تعالى لصحبة نبيه ﷺ، ونقل شريعته، وحمل دينه إلى العالمين. وقد أثنى الله عليهم في كتابه ثناءً عظيماً، وبيّن مكانتهم، ورضي عنهم، ووعدهم بالمغفرة والجنات.

وفي هذا المقال نقف مع ثلاث نكات (محاور) مهمة تُظهر بوضوح:

النكتة الأولى (الثانية عشرة): بيان رضا الله عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وأن هذا الرضا يشمل منهجهم وطريقتهم، ويُثني على من تبعهم بإحسان، مما يدل على عدالة هذا الجيل وفضلهم، وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون: أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم.

النكتة الثانية (الثالثة عشرة): بيان الثناء القرآني الشامل على الصحابة، من وصفهم بالإيمان الصادق، وكثرة العبادة، والرحمة فيما بينهم، والشدة على الكفار، وأنهم قدوة مذكورة حتى في الكتب السابقة، مع وعدٍ إلهي بالمغفرة والأجر العظيم.

النكتة الثالثة (ضمن المخالفة): عرض موقف المخالفين (كالإمامية) الذين طعنوا في الصحابة، وخالفوا ظاهر القرآن، ورووا روايات تتضمن اتهامات خطيرة وقصصاً لا يقبلها عقل ولا نقل، مما يفتح باب التساؤل حول مدى صحة هذه الروايات وموافقتها لأصول الدين والعقل السليم.

ومن خلال هذه المحاور يتبين التباين الواضح بين النصوص القرآنية المحكمة التي تُثني على الصحابة، وبين الروايات المطعون فيها التي تنسب إليهم ما لا يليق بمقامهم.

النكتة الثانية عشرة:

وأخبر الله تعالى بأنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ورضي عن المنهج الذي انتهجوه وساروا عليه؛ لأنه رضي أيضاً عمن اتبعهم بإحسان وسار على نهجهم، وأنه تعالى وعدهم بالجنات والخلود فيها بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: 100].

ومن جملة المهاجرين بل أجلهم أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم، بل أبو بكر رضي الله تعالى عنه أولهم؛ لأنه هاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم وصاحَبه في الغار.

المخالفة:

وغضبت الشيعة عليهم، وقدحت في عدالتهم، وفي ذلك يقول المجلسي -شيخ الدولة الصفوية ومرجع الشيعة المعاصرين- في معرض حديثه عن عدالة الصحابة بعد أن ذكر قول أهل السنة فيها: "وذهبت الإمامية إلى أنهم -أي: الصحابة- كسائر الناس من أن فيهم العادل وفيهم المنافق والفاسق الضال، بل كان أكثرهم كذلك"

[بحار الأنوار للمجلسي 8/8].

وقال إمامهم الشيرازي في الدرجات الرفيعة (ص:11): "حكم الصحابة عندنا في العدالة حكم غيرهم، ولا يتحتم الحكم بالإيمان والعدالة بمجرد الصحبة، ولا يحصل بها النجاة من عقاب النار وغضب الجبار، إلا أن يكون مع يقين الإيمان، وخلوص الجنان؛ فمن علمنا عدالته وإيمانه وحفظه وصية رسول الله في أهل بيته وأنه مات على ذلك كسلمان وأبي ذر وعمار: واليناه وتقربنا إلى الله بحبه، ومن علمائنا أنه انقلب على عقبه وأظهر العداوة لأهل البيت -ع- عاديناه لله تعالى وتبرأنا إلى الله منه".

النكتة الثالثة عشر:

وأثنى الله تعالى على جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم وذكر محاسنهم ومناقبهم من كونهم أشداء في العداوة مع الكفار رحماء فيما بينهم، كأنهم إخوان يرحم بعضهم بعضاً، راكعين ساجدين لله تعالى، علاماتهم وأمثالهم مذكورة في التوراة والإنجيل، وغير ذلك من الأوصاف الحميدة، وذلك بقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: 29].

فانظر إلى ما في هذه الآية من الثناء على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الثناء على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بأنه رسول الله، وذلك بأن وصفهم بالشدة والغلظة على الكفار وبالرحمة فيما بينهم، وأثنى عليهم بكثرة الركوع والسجود، وكثرة الأعمال الصالحة، وسعة الرجاء من فضل الله تعالى ورحمته بابتغائهم فضله ورضوانه، وبأن آثار تلك الأعمال الصالحة ظاهرة في وجوههم، بحيث إذا نظر إليهم أحد بهره حسن سمتهم وعلامتهم. ومن ثمّة قال الإمام مالك: "بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة رضي الله عنهم الذين فتحوا الشام يقولون: والله لهؤلاء خير من الحواريين، فيما بلغنا".

وقد وعد الله تعالى جميعهم بالمغفرة والأجر العظيم؛ لأن "من" في قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا لبيان الجنس لا للتبعيض، ووعده تعالى حق وصدق؛ لأنه لا يخلف الميعاد. ومن هذه الآية أخذ الإمام مالك رضي الله تعالى عنه كفر الروافض الذين يبغضون الصحابة رضي الله عنهم، حيث قال: "لأن الله تعالى قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ والرافضة يغتاظون من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ومن غاظه الصحابة فهو كافر بنص هذه الآية".

المخالفة:

وخالفت الشيعة الباري سبحانه وتعالى في ذلك، فذموا الصحابة رضي الله تعالى عنهم وطعنوا فيهم، بل كفروهم وجعلوهم من المنافقين، ونسبوا إليهم قصصاً من التآمر والخيانة لبعضهم البعض على خلاف ما ذكر الله من أوصافهم الحميدة حين وصفهم بقوله: (رحماء بينهم) من مثل تلك الحكاية التي يروونها من هجوم بعض الصحابة على رأسهم عمر بن الخطاب على بيت علي رضي الله عنه، وأحرقوا بابه، وضربوا فاطمة وأسقطوا جنينها، وسقطت على الأرض عندما دفعوا الباب فوقع عليها الباب ودخل مسمار في ضلع من أضلاعها فكسره. وهذا كله يحدث بحضرة الإمام علي بن أبي طالب ولم يحرك ساكناً؛ فهل يعقل أن يحصل مثل ذلك؟

وقصة أخرى مكذوبة نذكرها بطولها ليعلم من لا يعلم كيف أن الكذب عند هؤلاء القوم دين، يروي إمامهم العلامة المجلسي في بحار الأنوار هذه الحكاية المكذوبة (28/ 305) فيقول: "... فقبضت فاطمة (عليها السلام) من يومها فارتجت المدينة بالبكاء من الرجال والنساء، ودهش الناس كيوم قبض فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأقبل أبو بكر وعمر يعزيان علياً (عليه السلام) ويقولان له: يا أبا الحسن! لا تسبقنا بالصلاة على ابنة رسول الله، فلما كان في الليل دعا علي العباس والفضل والمقداد وسلمان وأبا ذر وعماراً فقدم العباس فصلى عليها ودفنوها، فلما أصبح الناس، أقبل أبو بكر وعمر والناس يريدون الصلاة على فاطمة (عليها السلام) فقال المقداد: قد دفنا فاطمة البارحة.

فالتفت عمر إلى أبي بكر فقال: ألم أقل لك إنهم سيفعلون؟ قال العباس: إنها أوصت أن لا تصليا عليها، فقال عمر: لا تتركون يا بني هاشم حسدكم القديم لنا أبداً، إن هذه الضعائن التي في صدوركم لن تذهب، والله لقد هممت أن أنبشها فأصلي عليها. فقال علي (عليه السلام): والله لو رمت ذاك يا ابن صهاك لأرجعت إليك يمينك، لئن سللت سيفي لا غمدته دون إزهاق نفسك فرم ذلك، فانكسر عمر وسكت، وعلم أن علياً (عليه السلام) إذا حلف صدق. ثم قال علي (عليه السلام): يا عمر! ألست الذي هم بك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأرسل إلي فجئت متقلداً بسيفي، ثم أقبلت نحوك لأقتلك فأنزل الله عز وجل: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا [مريم:84]، قال ابن عباس: ثم إنهم تآمروا وتذاكروا، فقالوا: لا يستقيم لنا أمر ما دام هذا الرجل حياً، فقال أبو بكر: من لنا بقتله؟ فقال عمر: خالد بن الوليد، فأرسلا إليه فقالا: يا خالد! ما رأيك في أمر نحملك عليه؟ قال: احملاني على ما شئتما، فوالله إن حملتماني على قتل ابن أبي طالب لفعلت، فقالا: والله ما نريد غيره، قال: فإني له، فقال أبو بكر: إذا قمتما في الصلاة صلاة الفجر، فقم إلى جانبه، ومعك السيف، فإذا سلمت فاضرب عنقه، قال: نعم، فافترقوا على ذلك، ثم إن أبا بكر تفكر فيما أمر به من قتل علي (عليه السلام)، وعرف إن فعل ذلك وقعت حروب شديدة وبلاء طويل، فندم على ما أمر به، فلم ينم ليلته تلك حتى أتى المسجد، وقد أقيمت الصلاة فتقدم وصلى بالناس مفكراً لا يدري ما يقول، وأقبل خالد بن الوليد متقلداً بالسيف حتى قام إلى جانب علي (عليه السلام) وقد فطن علي (عليه السلام) ببعض ذلك. فلما فرغ أبو بكر من تشهده صاح قبل أن يسلم: يا خالد! لا تفعل ما أمرتك، فإن فعلت قتلتك، ثم سلم عن يمينه وشماله فوثب علي (عليه السلام) فأخذ بتلابيب خالد وانتزع السيف من يده، ثم صرعه وجلس على صدره، وأخذ سيفه ليقتله، واجتمع عليه أهل المسجد ليخلصوا خالداً، فما قدروا عليه، فقال العباس: حلفوه بحق القبر لما كففت، فحلفوه بالقبر فتركوه فتركه، وقام فانطلق إلى منزله. وجاء الزبير والعباس وأبو ذر والمقداد وبنو هاشم واخترطوا السيوف، وقالوا: والله لا ينتهون حتى يتكلم ويفعل، واختلف الناس، وماجوا واضطربوا، وخرجت نسوة بني هاشم فصرخن، وقلن: يا أعداء الله! ما أسرع ما أبديتم العداوة لرسول الله وأهل بيته، ولطال ما أردتم هذا من رسول الله فلم تقدروا عليه، فقتلتم ابنته بالأمس، ثم تريدون اليوم أن تقتلوا أخاه وابن عمه ووصيه وأبا ولده، كذبتم ورب الكعبة، وما كنتم تصلون إلى قتله، حتى تخوف الناس أن تقع فتنة".

فهل يقبل مثل هذه الرواية عاقل؟!! وهل هؤلاء هم أصحاب محمد وتربيته وعظماء الأمة وقادتها؟!! فيالله ما يفعل البغض، وما ينتج عن الحقد والحسد من الافتراء والبهتان. ويا ترى ما معنى: (يا ابن صهاك) الواردة في هذه الرواية؟

إليك معناه من كتاب سليم بن قيس الشيعي المعروف في كتابه (ص:89، 90)، فعندما قال الإمام علي: يا ابن صهاك! قال: فغضب عمر، وقال: أتذكر صهاك؟

فقال الإمام علي: ومن صهاك؟ وما يمنعني من ذكرها؟ وقد كانت صهاك زانية، أو تنكر ذلك، أوليس كانت أمة حبشية لجدي عبد المطلب فزنى بها جدك نفيل، فولدت أباك الخطاب فوهبها عبد المطلب لجدك بعد ما زنى بها فولدته، وإنه لعبد جدي ولد زنا".

إذاً: هذا تعيير واضح للخليفة الراشد عمر بن الخطاب بأن جدته كانت زانية، فما قولكم؟ وهل مثل هذا الكلام البذيء سيتلفظ به علي بن أبي طالب، ولماذا سكت عمر ولم يرد هذه التهمة ولم يغضب لنفسه؟