فهذا الموضوع يتناول النكت الشنيعة في بيان الخلاف بين الله تعالى والشيعة. ذكر فيه (35) نكتة خالف فيها الشيعة النصوص الواضحة الصريحة في القرآن، فأجاد وأفاد، فكان يذكر النص القرآني ويردفه بتفسير معناه كما هو في معتقد أهل السنة والجماعة، ثم يذكر مخالفة الشيعة له بشكل موجز ومختصر.
في بيان معنى النكتة:
قال الإمام المناوي في كتابه التعاريف (ص: 710): "النكتة مسألة لطيفة أخرجت بدقة نظر وإمعان فكر، من نكت رمحه بالأرض أثر فيها، وسميت المسألة الدقيقة نكتة لتأثر الخواطر في استنباطها". وفي المعجم الوسيط (2/ 950) عرفت بأنها: "الأثر الحاصل من نكت الأرض، والنقطة في الشيء تخالف لونه، والعلامة الخفية، والفكرة اللطيفة المؤثرة في النفس، والمسألة العلمية الدقيقة يتوصل إليها بدقة وإمعان فكر وشبه".
فإن من أعظم القضايا التي وقع فيها الخلاف بين أهل السنة والشيعة مسألة موقف الصحابة رضي الله عنهم، وهي مسألة تمس أصل نقل الدين؛ إذ الصحابة هم الواسطة بين الأمة ونبيها صلى الله عليه وسلم. وقد أثنى الله تعالى عليهم في كتابه في مواضع كثيرة، مثبتًا لهم الإيمان، والفضل، والنصرة، والجهاد، ووعدهم بالمغفرة والرزق الكريم.
إلا أن المتأمل في بعض كتب الشيعة الإمامية يجد روايات وأقوالًا تخالف هذه النصوص القرآنية مخالفة صريحة، حيث تُنسب إلى جمهور الصحابة الردة أو النفاق أو الخذلان. وهذا المقال يسلط الضوء على ثلاث نماذج (نكت علمية) تبين هذا التعارض، من خلال عرض النص القرآني ثم بيان ما يقابله من أقوال في المصادر الشيعية.
تكفير الصحابة مقابل تزكية القرآن لهم بالإيمان الكامل:
النكتة الأولى:
ذكر الله تعالى أن المهاجرين المجاهدين في سبيل الله الناصرين لدينه ونبيه صلى الله عليه وسلم هم المؤمنون إيماناً كاملاً حقاً، وأن لهم مغفرة من الله تعالى ورزقاً كريماً، وذلك بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: 74 - 75].
شرح النكتة:
يقرر الله تعالى في سورة الأنفال أن المهاجرين والأنصار الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا ونصروا الدين هم المؤمنون حقًا، وأثبت لهم المغفرة والرزق الكريم، وهذا توثيق إلهي قطعي بعدالتهم وفضلهم.
لكن في المقابل، تنقل كتب معتبرة عند الشيعة روايات تفيد أن الناس ارتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلا عددًا قليلًا جدًا (ثلاثة أو سبعة). وهذا يتضمن الطعن في عامة الصحابة، بل الحكم عليهم بالهلاك أو الردة.
المخالفة:
وذهب الشيعة إلى أنهم كافرون، وأنهم في غضب الله تعالى. فقد روى إمامهم الكليني عن أبي جعفر أنه قال: "كان الناس أهل ردة بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة، فقلت: ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، رحمة الله وبركاته عليهم" [الروضة من الكافي (8/245-246)، ورجال الكشي (12 ـ 13)، بحار الأنوار: (22/333، 351، 352، 440)، البرهان: (1/319)، الصافي: (1/389)].
وفي كتاب الاختصاص للمفيد عن عبد الملك بن أعين أنه: "سأل أبا عبد الله، فلم يزل يسأله حتى قال: فهلك الناس إذاً؟ فقال: أي والله يا ابن أعين! هلك الناس أجمعون أهل الشرق والغرب، قال: إنها فتحت على الضلال، أي والله هلكوا إلا ثلاثة نفر: سلمان الفارسي، وأبو ذر، والمقداد، ولحقهم عمار، وأبو ساسان الأنصاري، وحذيفة، وأبو عمرة فصاروا سبعة" [الاختصاص ص:6].
وقد نقل إجماعهم على تكفير الصحابة علماؤهم المحققون.
فيقول نعمة الله الجزائري: "الإمامية قالوا بالنص الجلي على إمامة علي، وكفروا الصحابة، ووقعوا فيهم، وساقوا الإمامة إلى جعفر الصادق، وبعده إلى أولاده المعصومين عليهم السلام، ومؤلف هذا الكتاب من هذه الفرقة، وهي الناجية إن شاء الله" [الأنوار النعمانية (2/244].
ولاية المؤمنين في القرآن مقابل اتهام الصحابة بالنفاق والتفرق:
النكتة الثانية:
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:72].
شرح النكتة:
يبين الله تعالى أن المؤمنين من المهاجرين والأنصار بعضهم أولياء بعض، أي تجمعهم الموالاة والنصرة والمحبة، وهذا يدل على وحدة الصف وصفاء الإيمان.
بينما نجد في بعض أقوال علماء الشيعة وصفًا للصحابة بأنهم:
◘ لم يسلموا حقيقة.
◘ أو أنهم دخلوا في الإسلام لأغراض دنيوية.
◘ أو أنهم كانوا متلبسين بالنفاق والشقاق.
وهذا يناقض دلالة الآية من جهتين:
◘ القرآن يثبت الإيمان والموالاة.
◘ تلك الأقوال تثبت النفاق والعداوة.
فكيف يجتمع وصف “أولياء بعض” مع وصف “النفاق والشقاق”؟!
المخالفة:
وذهبت الشيعة إلى أنهم نافقوا ولم ينصروا النبي صلى الله عليه وسلم، وأن بعضهم أعداء بعض.
وفي ذلك يقول عالمهم التستري -من علماء الشيعة- عن الصحابة: "إنهم لم يسلموا، بل استسلم الكثير رغبة في جاه رسول الله... إنهم داموا مجبولين على توشح النفاق وترشح الشقاق" [إحقاق الحق للتستري ص:3].
وقال المامقاني -من الشيعة-: "إن من المعلوم بالضرورة بنص الآيات الكريمة وجهود الفساق والمنافقين في الصحابة بل كثرتهم فيهم وعروض الفسق بل الارتداد لجمع منهم في حياته ولآخرين بعد وفاته" [تنقيح المقال للمامقاني 1/213].
إثبات الجهاد والنصرة للصحابة مقابل نفيها والطعن في شجاعتهم:
النكتة الثالثة:
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: 25-26]. جاء في تفسيرها كما في أحكام القرآن للكيا الهراسي (ت:504هـ) (2/ 204): "فيه دلالة على صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؛ لأن الذين ارتدوا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قاتلهم أبو بكر وهؤلاء الصحابة، وقد أخبر الله تعالى أنه يحبهم ويحبونه، وأنهم يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، ومعلوم أن من كانت هذه صفته فهو ولي الله تعالى.
ولم يقاتل المرتدين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى هؤلاء الأئمة، فإنه لم يأت بقوم آخرين يقاتلون المرتدين المذكورين في الآية غير هؤلاء الذين قاتلوا مع أبي بكر، ومثله في دلالته على صحة إمامة أبي بكر".
شرح النكتة:
تدل آيات سورة التوبة وغيرها على أن الله نصر نبيه بالمؤمنين، وأن هؤلاء المؤمنين شاركوا في الجهاد، وثبتوا بعد الابتلاء، ونالوا السكينة الإلهية.
كما استدل بعض العلماء بهذه النصوص على فضل كبار الصحابة الذين قاتلوا المرتدين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى رأسهم أبو بكر رضي الله عنه.
لكن في المقابل، نجد في بعض التفاسير الشيعية طعنًا في:
◘ شجاعة بعض الصحابة.
◘ مشاركتهم في الجهاد.
◘ ثباتهم في المعارك.
بل وصل الأمر إلى وصف بعضهم بالفرار وعدم التأثير في القتال.
وهذا يتعارض مع:
◘ إثبات القرآن لنصرتهم وجهادهم.
◘ وشهادته لهم بالمشاركة في المواطن العظيمة.
المخالفة:
وذهبت الشيعة إلى أن الله تعالى خذلهم، وأنهم لم يزالوا خائفين، ومن ذلك قول إمامهم الطوسي في التبيان في تفسير القرآن (3/ 555) في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم﴾: "فأما من قال إنها نزلت في أبي بكر. فقوله بعيد من الصواب؛ لأنه تعالى إذا كان وصف من أراده بالآية بالعزة على الكافرين وبالجهاد في سبيله مع اطراح خوف اللوم، كيف يجوز أن يظن عاقل توجه الآية إلى من لم يكن له حظ في ذلك الموقف؟! لأن المعلوم أن أبا بكر لم يكن له نكاية في المشركين، ولا قتيل في الإسلام، ولا وقف في شيء من حروب النبي صلى الله عليه وآله موقف أهل البأس والفناء، بل كان الفرار شيمته، والهرب ديدنه، وقد انهزم عن النبي صلى الله عليه وآله في مقام بعد مقام، فانهزم يوم أحد ويوم حنين، وغير ذلك، فكيف يوصف بالجهاد في سبيل الله -على ما يوصف في الآية- من لا جهاد له جملة؟!