فإن من أصول الاعتقاد التي قررها القرآن الكريم تعظيم الصحابة رضي الله عنهم، وبيان فضلهم، والثناء عليهم، وكذلك توقير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وجعلهن أمهات للمؤمنين. وقد جاءت النصوص القرآنية صريحة في بيان توبة الله على الصحابة، وإثبات الصحبة الخاصة لبعضهم، ورفع مكانة أمهات المؤمنين وتطهيرهن.

إلا أن الناظر في بعض كتب الشيعة الإمامية يجد أقوالًا وروايات تخالف هذه النصوص مخالفة ظاهرة، حيث يُنسب إلى كبار الصحابة عدم التوبة، أو يُطعن في صحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، بل ويتعدى ذلك إلى القدح في أمهات المؤمنين رضي الله عنهن.

وفي هذا المقال تُعرض ثلاث نُكَت علمية (الرابعة والخامسة والسادسة) تُبيّن هذا التعارض، من خلال مقابلة النص القرآني بما ورد في تلك المصادر.

توبة الله على الصحابة في القرآن مقابل الحكم بعدم توبتهم:

النكتة الرابعة:

قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: 117].

شرح النكتة:

يخبر الله تعالى في سورة التوبة أنه تاب على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة، وهي غزوة تبوك، وهذا يدل على:

   ◘ رضا الله عنهم

   ◘ ورفع منزلتهم

   ◘ فالآية نصٌّ صريح في ثبوت التوبة والرحمة لهم جميعًا.

لكن في المقابل، تُنقل في بعض كتب الشيعة روايات تتضمن الحكم على بعض كبار الصحابة بأنهم:

   ◘ لم يتوبوا

   ◘ واستحقوا اللعنة

وهذا تعارض بيّن، لأن:

   ◘ القرآن يثبت التوبة والرحمة

   ◘ وتلك الروايات تثبت اللعن وعدم التوبة

   ◘ ولا يمكن الجمع بين إثبات التوبة الإلهية ونفيها عن نفس الأشخاص.

المخالفة:

ذهب الشيعة إلى أن الله تعالى غضب عليهم ولعنهم ولم يتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى الكليني في الكافي (8/246) عن أبي جعفر الصادق رحمه الله تعالى قوله: "إن الشيخين فارقا الدنيا ولم يتوبا، ولم يذكرا ما صنعا بأمير المؤمنين عليه السلام، فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين". أهـ، فوقع الخلاف بينهم وبين الله تعالى.

إثبات صحبة أبي بكر في القرآن مقابل إنكارها والطعن فيها:

النكتة الخامسة:

ومنها أن الله تعالى قد أخبر بأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه صاحب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ [التوبة:40]، ففي هذه الآية يخبر الله تعالى بأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه شعر بخوف وحزن، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يلاطفه لإزالة حزنه، ثم أنزل الله تعالى عليه السكينة عليه -أي: على أبي بكر- وأزال حزنه.

شرح النكتة:

تُعد آية الغار من أوضح الأدلة القرآنية على فضل أبي بكر رضي الله عنه، حيث:

   وصفه الله بأنه صاحب النبي صلى الله عليه وسلم

   وكان معه في أخطر موقف (الهجرة)

   وخاطبه النبي بقوله: "لا تحزن إن الله معنا"

   ونزلت السكينة عليه

وهذه دلالات عظيمة على:

   شرف الصحبة

   وعلو المنزلة

   وثقة النبي به

لكن في المقابل، تنقل بعض كتب الشيعة:

   إنكار هذه الصحبة أو التقليل من شأنها

   أو الادعاء بأنه كان منافقًا

   بل وادعاء أمور تمس عقيدته

بل وصل الأمر إلى محاولة تأويل الآية أو تغيير وجه دلالتها.

المخالفة:

وخالفت الشيعة في ذلك، فأنكروا صحبة أبي بكر رضي الله تعالى عنه للنبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا إنه كان من المنافقين -والعياذ بالله- [التفسير الصافي - (2/ 399) نقلاً عن الكافي شرح أصول الكافي -مولي محمد صالح المازندراني - (21/ 151)]: "عن الباقر عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقبل يقول لأبي بكر في الغار: اسكن، فإن الله معنا، وقد أخذته الرعدة وهو لا يسكن، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حاله قال له: تريد أن أريك أصحابي من الأنصار في مجالسهم يتحدثون. وأريك جعفراً وأصحابه في البحر يغوصون، قال: نعم، فمسح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده على وجهه فنظر إلى الأنصار يتحدثون، ونظر إلى جعفر وأصحابه في البحر يغوصون، فأضمر تلك الساعة أنه ساحر. فأنزل الله سكينته: أمنته التي تسكن إليها القلوب عليه. في الكافي: عن الرضا عليه السلام أنه قرأها (على رسوله) قيل له: هكذا نقرها، وهكذا تنزيلها. والعياشي: عنه عليه السلام إنهم يحتجون علينا بقول الله تعالى: ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار وما لهم في ذلك من حجة، فوالله لقد قال الله: ﴿فأنزل الله سكينته على رسوله وما ذكره فيها بخير، قيل: هكذا تقرءونها؟ قال: هكذا قرأتها". فانظر كيف حملهم بغضهم لأبي بكر الصديق أن يلجئوا لتحريف القرآن. وبالإضافة إلى إنكارهم صحبة أبي بكر واطلاعهم على سريرته، وأنه كان يعتقد أن الرسول ساحر، تجدهم أيضاً يتثبتون ضده بأنه لم يسلم حقيقة، فيروي إمامهم نعمة الله الجزائري في الأنوار النعمانية، (ج1/ ص:53): "أنه ورد في الأخبار الخاصة أنّ أبا بكر كان يصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم والصنم معلق في عنقه، وسجوده له". وروى الكليني في الكافي أيضا: (1/ 373) عن الباقر والصادق: "ثلاثة لا يكلَّمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: من ادعى إمامة ليست له، ومن جحد إماماً من عند الله، ومن زعم أن أبا بكر وعمر لهما نصيب في الإسلام".

وقال حسين بدر الدين الحوثي: "وشيء ملاحظ في تاريخ الأمة: أن كل أولئك الذين حكموا المسلمين بدأ من أبي بكر أولئك الذين حكموا المسلمين -من غير الإمام علي (عليه السلام) ومن غير أهل البيت ومن كانوا في حكمهم أيضاً- خارجين عن مقتضى الإيمان، هم من أضاعوا إيمان الأمة". [في ظلال دعاء مكارم الأخلاق، الدرس الثاني، ص:1].