فإن مسألة تحديد أهل البيت من القضايا المهمة التي ينبغي الوقوف عندها بدقة، سواء من حيث اللغة أو من حيث الشرع. فـ "أهل البيت" مصطلح عربي له أصول لغوية دقيقة، وقد وردت في كتب النحو والمعاجم تعريفات واضحة، تشير إلى أن أهل البيت هم الساكنون للبيت، أو ما يجمعهم نسب أو قرابة، ويشملون الزوجة والأولاد والأحفاد والعشيرية والموالي، وكذلك أهل النبي صلى الله عليه وسلم، أي زوجاته وبناته وصهوره من المؤمنين وذريته الصالحة.
وقد أكدت المعاجم العربية، مثل: تاج العروس للزبيدي، ولسان العرب لابن منظور، والقاموس المحيط للفيروزآبادي، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس، أن معنى "أهل البيت" يشمل الزوجة، الأولاد، الأحفاد، وأقارب الرجل، وينطبق هذا على جميع الأنبياء كما ورد في القرآن الكريم: ﴿وَأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها﴾، ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾.
ويجب التنبيه إلى أن التشريف والتقدير لأهل البيت يقتصر على المؤمنين من نسل النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يشمل الكفار، كما يظهر من نص القرآن الكريم في شأن أبي لهب: ﴿تبّت يدا أبي لهب وتبّ ما أغنى عنه ماله وما كسب﴾.
بعد هذه المراجعة اللغوية الدقيقة، سننتقل في هذا المقال إلى معنى أهل البيت في القرآن الكريم، وفي كتب الإمامية، لبيان توسعهم في التعريف واستشهاداتهم، مع التركيز على ما ورد في كتبهم، ليقف القارئ على الفرق بين المعنى اللغوي الصحيح والتفسير الذي أدخلته الإمامية في كتبهم.
من هم أهل البيت في اللغة:
قال الزبيدي: "وأَهَلَ الرجُلُ يَأْهُلُ ويأهِلُ مِن حَدَّىْ نَصَر وضَرَب أُهُولاً بالضَّمّ، هذا عن يُونُس، زاد غيرُه: وتَأَهَّلَ واتَّهَلَ على افْتَعَلَ: اتَّخَذ أَهْلاً وقال يُونُس: أي تَزَوَج. وأَهْلُ الأمر: وُلاتُهُ وقد تَقَدّم في أُولِى الأمر.
(و) الأَهْلُ لِلبَيتِ: سُكانه ومِن ذلك: أهل القُرَى: سُكانها. الأَهْلُ لِلْمَذْهَبِ: مَن يَدِينُ بِه ويَعْتقِدُه.
من المَجاز: الأَهْلُ لِلرَّجُلِ: زَوْجَتُه ويدخلُ فيه الأولادُ، وبه فُسِّر قولُه تعالَى: وَسَارَ بِأَهْلِهِ أي زوجتِه وأولادِه كأهْلَتِهِ بالتاء.
(و) الأَهْلُ للنَّبي صلّى اللّه عليه وسلّم: أزواجُه وبَناتُه وصِهْرُه علي رضي اللّه عنه، أو نِساؤُه.
وقِيل: أَهْلُه: الرجالُ الذين هم آلُه ويدخلُ فيه الأحفادُ والذّرِّيّاتُ، ومنه قولُه تعالَى: ﴿وَأمر أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِر عَلَيهَا﴾ وقولُه تعالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرجْسَ أهل الْبَيتِ﴾ وقولُه تعالَى: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عليكُم أهل الْبَيتِ إنه حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾. (و) الأَهْلُ لِكُلِّ نَبِيٍّ: أُمَّتُهُ وأهْل مِلَّته. ومنه قولُه تَعالَى: ﴿وَكان يَأمُز أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾.
وقال الرَّاغِبُ، وتَبِعه المُناويُّ: أهل الرَّجُلِ:
مَن يَجمعُه وإيّاهم نَسَبٌ أو دِينٌ، أو ما يَجْرِي مَجراهُما مِن صِناعةٍ وبَيتٍ وبَلَدٍ، فأَهْلُ الرجُلِ في الأصل: مَن يَجمعُه وإيَّاهُم مَسْكَنٌ وأحد، ثمّ تُجُوِّزَ به، فقيلِ: أهل بَيْتِه: مَن يَجْمعُه وإيّاهُم نَسَبٌ أو ما ذُكِر، وتُعُورِفَ في أُسرةِ النبيِّ صلّى اللّه عليه وسلّم مُطْلَقاً"
تاج العروس – الزبيدي - ج 28 ص 41 – 42
وقال ابن منظور في لسان العرب:
﴿ وقولُه تعالى إِنما يُريدُ اللَّهُ ليُذْهِبَ عنكم الرِّجْسَ أهل البيت﴾ِ إِنما يريد أهل بيت النبي صلى اللَّه عليه وسلم أَزواجَه وبِنْتَه وعَلِيّاً رضي اللَّهُ عنهم قال سيبويه أَكثر الأَسماء دخولاً في الاختصاص بَنُو فلانٍ ومَعْشَرٌ مضافةً وأَهلُ البيتِ وآل فلانٍ يعني أَنك تقول نحنُ أهل البيتِ نَفْعَلُ كذا فتنصبه على الاختصاص كما تنصب المنادى المضاف وكذلك سائر هذه الأَربعة وفلانٌ بَيْتُ قومِهِ أَي شَريفُهم عن أبي العَمَيْثَل الأَعرابي وبَيْتُ الرجلُ أمرأَتُه ويُكْنى عن المرأَة بالبَيْتِ وقال إلا يا بَيْتُ بالعَلْياءِ بَيْتُ ولولا حُبُّ أَهْلِكَ ما أَتَيْتُ أَراد لي بالعَلْياءِ بَيْتٌ ابن الأَعرابي العرب تَكْني عن المرأَة بالبَيْت قاله الأَصمعي وأَنشد أَكِبَرٌ غَيَّرَني أم بَيْتُ؟ الجوهري البَيْتُ عِيالُ الرجل قال الراجز ما لي إذا أَنْزِعُها صَأَيْتُ؟ أَكِبَرٌ غَيَّرني أم بَيْتُ؟ والبَيْتُ التَزْويجُ عن كراع يقال باتَ الرجلُ يَبيتُ إذا تَزَوَّجَ ويقال بَنى فلانٌ على أمرأَته بَيْتاً إذا أَعْرَسَ بها وأَدخلها بَيْتاً مَضْروباً وقد نَقَل إِليه ما يحتاجون إِليه من آلة وفِراشٍ وغيره وفي حديث عائشة رضي اللَه عنها تَزَوَّجني رسولُ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم على بَيْتٍ قِيمَتُه خمسون دِرْهماً أَي متاعِ بَيْتٍ فحذف المضاف وأَقام المضافَ إِليه مُقامَه ومَرَةٌ مُتَبَيِّتَةٌ أَصابت بَيْتاً وبَعْلاً وهو جاري بَيْتَ بَيْتَ "
لسان العرب – ابن منظور – ج 2 ص 14
وقال الفيروز ابادي:
" أهل الرجُلِ: عَشيرَتُه وذَوُو قُرْباهُ ج: أَهْلونَ وأَهالٍ وآهالٌ وأَهْلاتٌ ويُحَرَّكُ. وأَهَلَ يأْهُلُ ويَأْهِلُ أُهولاً وتأهَّلَ واتَّهَلَ: اتَّخَذَ أَهْلاً. وأَهْلُ الأمر: وُلاتُه وللبيتِ: سُكانه وللمَذْهَبِ: من يَدينُ به وللرجُل: زَوْجَتُه كأَهْلَتِه وللنبيِّ (): أزْوَاجُه وبناتُه وصِهْرُه عليٌّ رضي الله تعالى عنه أَو نِساؤُه والرِّجالُ الذين هُمْ آلُه ولكلِّ نَبيٍّ: أُمَّتُه "
القاموس المحيط - محمد بن يعقوب الفيروزآبادي - ج 1 ص 1245
وقال ابن فارس:
(أهل) الهمزة والهاء واللام أصلان متباعدان، أحدهما الأَهْل. قال الخليل: أهل الرجل زَوْجُه. والتأهُّل التّزَوّج. وأهْل الرّجُل أخصُّ النّاسِ به. وأهل البيت: سُكانه. وأهل الإسلام: مَن يَدِينُ به. وجميع الأهل أَهْلُون "
معجم مقاييس اللغة - أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا - ج 1 ص 150
فأهل الرجل في اللغة زوجته، واولاده، واحفاده، وعشيرته، وذوو قرباه، وكذلك اتباعه.
لا بد من التنبيه على أمر مهم جدا إلا وهو: أن التشريف، والتوقير لمن ينتسب إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لا بد أن يكون للمسلمين منهم فقط، واما الكفار فلا يدخلون بوصية رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وذلك لان الله تعالى قد اخبرنا عن أبي لهب عم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أبي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3)﴾، فنأخذ من هذا النص القراني بان الكفر مانع من ادخال اي أحد في ال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم سواء في حياته او بعد مماته، وذلك لان الاصل عندنا، والفيصل بين القبول، والرد هو الإسلام، فإذا تحقق إسلام الشخص ادخلناه بعد ذلك في الحقوق العامة له بالتفاصيل الواردة في الشريعة.
بعد أن بينا معنى أهل البيت في اللغة، سون نبين معناه الوارد في القران الكريم، وفي كتب الإمامية، وذلك لتقوم الحجة على الإمامية من كتبهم حتى لايبقى لهم اي عذر.