فإن من أعظم القضايا التي وقع فيها الاضطراب عند الإمامية مسألة تحديد من هم أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، إذ جعلوا هذا المفهوم أصلًا عقديًا تُبنى عليه أحكام خطيرة، كالعصمة، والإمامة، والولاء والبراء.
غير أن المتتبع لنصوصهم المعتمدة، كـ الكافي، وبحار الأنوار، والأمالي، وغيرها، يجد أن مفهوم "أهل البيت" عندهم ليس ثابتًا على تعريف واحد، بل يشهد توسعًا كبيرًا يصل إلى حد إدخال عموم أقارب النبي صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وبني عبد المطلب، بل ومن يشملهم حكم تحريم الصدقة، أو الانتساب النسبي.
فقد وردت في رواياتهم نصوص صريحة تدل على دخول:
◘ العباس بن عبد المطلب
◘ حمزة وجعفر وعلي رضي الله عنهم
◘ عبيدة بن الحارث
◘ عموم بني عبد المطلب
◘ بل وبني هاشم كافة
في مسمى "أهل البيت"، وهو ما يظهر بوضوح من خلال:
◘ النصوص التي تربط أهل البيت بالقرابة
◘ الروايات التي تعمم الحكم على بني هاشم
◘ الأحاديث التي تجعل مناط أهل البيت هو تحريم الصدقة
وهذا الاتساع يثير إشكالًا كبيرًا، إذ يتعارض مع دعوى حصر "أهل البيت" في عدد محدود (كالأئمة أو أصحاب الكساء)، مما يكشف عن تناقض منهجي واضح في تحديد هذا المفهوم.
ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال، الذي يسلّط الضوء على هذه الروايات، ويبيّن دلالتها الصريحة على أن مفهوم "أهل البيت" عند الإمامية أوسع بكثير مما يقررونه في أصولهم العقدية.
أقارب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته:
لقد وردت روايات في كتب الإمامية تدل على أن اقارب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من المؤمنين يدخلون في معنى أهل البيت، ومنها: ما ذكره المجلسي في البحار حيث قال:
1 – الاحتجاج: عن أبى المفضل محمد بن عبد الله الشيباني بإسناده الصحيح عن رجاله ثقة عن ثقة أن النبي (صلى الله عليه وآله) خرج في مرضه الذي توفى فيه إلى الصلاة متوكيا على الفضل بن العباس، وغلام له يقال له ثوبان، وهى الصلاة التي أراد التخلف عنها لثقله، ثم حمل على نفسه (صلى الله عليه وآله) وخرج، فلما صلى عاد إلى منزله، فقال لغلامه اجلس على الباب ولا تحجب أحدا من الانصار، وتجلاه الغشي، وجاءت الانصار فأحدقوا بالباب، وقالوا: ائذن لنا على رسول الله فقال: هو مغشى عليه، وعنده نساؤه، فجعلوا يبكون. فسمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) البكاء فقال: من هولاء؟ قالوا الانصار، فقال (صلى الله عليه وآله) من هيهنا من أهل بيتى؟ قالوا علي والعباس، فدعاهما وخرج متوكئا عليهما، فاستند إلى جذع من أساطين مسجده وكان الجذع جريد نخلة، فاجتمع الناس وخطب وقال في كلامه: إنه لم يمت نبى قط إلا خلف تركة وقد خلفت فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتى فمن ضيعهم ضيعه الله أولا وإن الانصار كرشي التي آوي إليها، وإني أوصيكم بتقوى الله والاحسان إليهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم "
بحار الانوار - المجلسي – ج 28 ص 176 – 177
دلالة هذه الرواية واضحة في أن علي والعباس رضي الله عنهما من أهل البيت، وإنهم يدخلون في وصية رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في أهل البيت، ولهذا نجد أن الانصار كانوا يعلمون من خلال اختلاطهم برسول الله صلى الله عليه واله وسلم أن عليا والعباس رضي الله عنهما من أهل بيته، ولو كان مفهوم أهل البيت لا يشمل العباس رضي الله عنه لقال لهم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أن العباس ليس من أهل بيتي، وبما أن النبي صلى الله عليه واله وسلم اقرهم على قولهم ثم اوصى بأهل البيت، فمما لا شك فيه دخول العباس رضي الله عنه في وصية رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بأهل البيت.
وقال المجلسي:
" 26 - تفسير علي بن ابراهيم: الحسن بن علي، عن أبيه، عن الحسن بن سعيد، عن الحسين ابن علوان، عن علي بن الحسين العبدي، عن أبي هارون العبدي، عن ربيعة السعدي، عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: أن ألهي اختارني في ثلاثة من أهل بيتي، وأنا سيد الثلاثة وأتقاهم لله ولا فخر، اختارني، وعليا وجعفرا ابني أبي طالب وحمزة بن
عبد المطلب.........."
بحار الانوار – المجلسي - ج 22 ص 276 – 277
في هذه الرواية دخول جعفر وعلي وحمزة رضي الله عنهم في وصية رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في أهل البيت.
وجاء في الصحيح من سيرة النبي الاعظم لجعفر مرتضى وغيره:
" وحمل حمزة وعلي " عليه السلام " عبيدة بن الحارث، وأتيا به إلى رسول الله (ص)، فاستعبر، وقال: يا رسول الله، ألست شهيدا؟! قال: بلى، أنت أول شهيد من أهل بيتي (مما يشير إلى إنه لسوف تأتي قافلة من الشهداء من أهل بيته (ص)، وهكذا كان "
الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ص) - جعفر مرتضى - ج 5 ص 47، ومناقب آل أبي طالب - ابن شهر آشوب - ج 1 ص 162 – 163، وتفسير الميزان - الطباطبائي - ج 9 - ص 29
وقد علق الحائري على هذه الرواية بعد أن اوردها بقوله:
" أقول: كان عبيدة أول شهيد من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بدر "
شجرة طوبى - محمد مهدي الحائري - ج 2 ص 275
وفي هذا النص دلالة واضحة على دخول عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب رضي الله عنه في أهل بيت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم.
وفي كتاب الامالي للطوسي:
" 435 – 27 - أبو العباس، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن مستورد، قال: حدثنا نصر بن مزاحم، قال: حدثنا عمرو بن شمر، عن جابر، عن تميم، وعن أبي الطفيل، عن بشر بن غالب، وعن سالم بن عبد الله، كلهم ذكروا عن ابن عباس: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: يا بني عبد المطلب، إني سألت الله (عز وجل) ثلاثا أن يثبت قائلكم، وأن يهدي ضالكم، وأن يعلم جاهلكم، وسألت الله (تعالى) أن يجعلكم جوداء نجباء رحماء، فلو أن أمرءا صف بين الركن والمقام فصلى وصام، ثم لقي الله (عز وجل) وهو لأهل بيت محمد مبغض، دخل النار "
الأمالي - الشيخ الطوسي - ص 247 – 248، وذكر المفيد نفس المحتوى بسند اخر عن ابن عباس رضي الله عنه في كتاب الامالي ص 252 – 253
ففي هذه الرواية يدخل جميع بني عبد المطلب في وصية رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في أهل البيت.
وفي الكافي للكليني:
" 4 - عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أبي عُمَيْرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أبي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ كان رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) يَصْنَعُ بِمَنْ مَاتَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ خَاصَّةً شَيْئاً لَا يَصْنَعُهُ بِأحد مِنَ الْمُسْلِمِينَ كان إذا صَلَّى عَلَى الْهَاشِمِيِّ ونَضَحَ قَبْرَهُ بِالْمَاءِ وَضَعَ كَفَّهُ عَلَى الْقَبْرِ حَتَّى تُرَى أَصَابِعُهُ فِي الطِّينِ فَكان الْغَرِيبُ يَقْدَمُ أَوِ الْمُسَافِرُ مِنْ أهل الْمَدِينَةِ فَيَرَى الْقَبْرَ الْجَدِيدَ عَلَيْهِ أثر كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) فَيَقُولُ مَنْ مَاتَ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله)؟ "
الكافي – الكليني - ج 3 ص 200، وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – حسن – ج 14 ص 111
ففي هذه الرواية يدخل جميع بني هاشم في وصية رسول الله صلى الله عليه واله وسلم.
وفي معاني الاخبار للصدوق:
" 1 - أبي - رحمه الله - قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسن، عن جعفر ابن بشير، عن الحسين بن أبي العلاء، عن عبد الله بن ميسرة، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنا نقول: اللهم صل على محمد وآل محمد. فيقول قوم: نحن آل محمد فقال: إنما آل محمد من حرم الله عز وجل على محمد نكاحه "
معاني الأخبار - الصدوق - ص 93 – 94
يدخل في هذا الحديث كل بنات رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وعماته، وخالاته، واحفاده من بناته في وصيته صلى الله عليه واله وسلم بأهل بيته.
وفي الكافي: (باب) (الصدقة لبنى هاشم ومواليهم وصلتهم)
1 - أحمد بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ومُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَإذانَ جَمِيعاً عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عِيصِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أبي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ أن أُنَاساً مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) فَسَأَلُوهُ أن يَسْتَعْمِلَهُمْ عَلَى صَدَقَاتِ الْمَوَاشِي وقَالُوا يَكُونُ لَنَا هَذَا السَّهْمُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا فَنَحْنُ أَوْلَى بِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أن الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِي ولَا لَكُمْ ولَكِنِّي قَدْ وُعِدْتُ الشَّفَاعَةَ ثُمَّ قَالَ أبو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) واللَّهِ لَقَدْ وُعِدَهَا (صلى الله عليه وآله) فَمَا ظَنُّكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إذا أَخَذْتُ بِحَلْقَةِ بَابِ الْجَنَّةِ أَ تَرَوْنِي مُؤْثِراً عَلَيْكُمْ غَيْرَكُمْ "
الكافي – الكليني - ج 4 ص 58، وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – صحيح – ج 16 ص 190
وفي غنائم الايام وغيره:
" صحيحة عبد الله بن سنان، عن الصادق عليه السلام، قال: " لا تحل الصدقة لولد العباس، ولا لنظرائهم من بني هاشم "
غنائم الأيام - الميرزا القمي - ج 4 ص 176، والحدائق الناضرة - البحراني - ج 12 - ص 215، ومستند الشيعة - النراقي - ج 9 - ص 318
هذه الروايات افادت لحوق بني عبد المطلب، وبني هاشم، وابناء العباس برسول الله صلى الله عليه واله وسلم في تحريم الصدقة.
وفي الامالي للطوسي:
" 398 / 48 - أخبرنا محمد بن محمد، قال: حدثني أبو الحسن علي بن أحمد القلاسني المراغي، قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: حدثنا موسى بن عثمان الحضرمي، عن أبي إسحاق السبيعي، عن زيد بن أرقم، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بغدير خم يقول: أن الصدقة لا تحل لي ولا لأهل بيتي "
الأمالي - الشيخ الطوسي - ص 227
وفي دعائم الإسلام:
" وعن جعفر بن محمد صلوات الله عليه إنه قال: قال رسول الله (ص) لا تحل الصدقة لي ولا لأهل بيتي "
دعائم الإسلام - القاضي النعمان المغربي - ج 1 - ص 259، ومستدرك الوسائل - الميرزا النوري - ج 7 - ص 11
وفي مستدرك الوسائل:
" [ 7795 ] 2 - دعائم الإسلام: عن الحسن بن علي (عليهما السلام)، إنه قال: " أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيدي فمشيت معه، فممرنا بتمر مصبوب وأنا يومئذ غلام صغير، فجمزت فتناولت تمرة فجعلتها في في، (فأخرج التمرة) بلعابها ورمى بها في التمر، وكان من تمر الصدقة، وقال: إنا أهل البيت لا تحل لنا الصدقة"
مستدرك الوسائل - الميرزا النوري - ج 7 - ص 118
وفي المبسوط للطوسي:
فأما النبي صلى الله عليه وآله فالصدقة المفروضة محرمة عليه، وكذلك أهل بيته لقوله عليهم أفضل الصلاة والسلام: إنا أهل البيت لا تحل لنا الصدقة "
المبسوط - الطوسي - ج 3 - ص 301 – 302
وفي التذكرة للحلي:
"مسألة 182: الصدقة المفروضة محرمة على النبي صلى الله عليه وآله إجماعا"
تذكرة الفقهاء - الحلي - ج 5 - ص 269
وفي وسائل الشيعة:
" (1291) 4 - وفي (عيون الأخبار) عن محمد بن علي الشاه المروزي، عن محمد بن عبد الله النيسابوري، عن عبيد الله بن أحمد بن عأمر الطائي، عن أبيه، عن الرضا عليه السلام وعن أحمد بن إبراهيم بن بكر الخوزي، عن إبراهيم بن هارون بن محمد الخوزي، عن جعفر بن محمد بن زياد الفقيه، عن أحمد بن عبد الله الهروي، عن الرضا عليه السلام وعن الحسين بن محمد العدل، عن علي بن محمد بن مهروية القزويني، عن داود بن سليمان الفرا، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام، في حديث طويل قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة...."
وسائل الشيعة - الحر العاملي - ج 1 ص 488 – 489
كل هذه الروايات تدل دلالة واضحة على أن هؤلاء جميعا يدخلون في وصية رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بأهل البيت.
بعد أن بينت من خلال اللغة، وآيات القران الكريم، وروايات الإمامية دخول زوجات رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، واقربائه من المؤمنين في معنى أهل البيت، سوف انقل ما ورد في كتب الإمامية تجاه هؤلاء الطيبين الطاهرين رضي الله عنهم من الطعن والاساءة.