رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه: الحقيقة والرد على تحريفات الشيعة

يحاول بعض أتباع الفرق الضالة، وعلى رأسهم الشيعة الإمامية، نسب أحاديث وادعاءات غير صحيحة للنبي صلى الله عليه وسلم بهدف تحريف العقيدة الصحيحة. ومن أبرز هذه الادعاءات الزعم بأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه في الدنيا، وهو ما نفاه أهل السنة ووضحته النصوص الموثوقة. في هذا المقال نقدم الأدلة من كتب الحديث والتفسير، مع توضيح الرأي الصحيح وفق فهم أهل السنة والجماعة، والرد على الشبهات بشكل علمي دقيق.

نص الرواية:

حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ: ثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أبي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: ثَلَاثٌ مَنْ قَالَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، مَنْ زَعَمَ إنه يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا [لقمان: 34]، وَمَنْ زَعَمَ أن مُحَمَّدًا كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الْوَحْيِ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكِ [المائدة: 67] الْآيَةَ وَمَنْ زَعَمَ أن مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: 103]

 [ص:556] وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى: 51] فَقَالَ مَسْرُوقٌ لِعَائِشَةَ: يَا أم الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَوْ لَمْ يَقُلْ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النجم: 13] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير: 23] فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «رَأَيْتُ جِبْرِيلَ، نَزَلَ فِي الْأُفُقِ، عَلَى خَلْقِهِ وَهَيْئَتِهِ، أَوْ خَلْقِهِ وَصُورَتِهِ سَادًّا مَا بَيْنَ الْأُفُقِ» ((قَالَ أبو بَكْرٍ: هَذِهِ لَفْظَةٌ، أَحْسِبُ عَائِشَةَ تَكَلَّمَتْ بِهَا فِي وَقْتِ غَضَبٍ))، كَانَتْ لَفْظَةٌ أَحْسَنَ مِنْهَا يَكُونُ فِيهَا دَرَكًا لِبُغْيَتِهَا، كَانَ أَجْمَلَ بِهَا، لَيْسَ يَحْسُنُ فِي اللَّفْظِ: أن يَقُولَ قَائِلٌ: أَوْ قَائِلَةٌ، فَقَدْ أَعْظَمَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْفِرْيَةَ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَجَمَاعَاتٌ مِنَ النَّاسِ الْفِرْيَةَ عَلَى رَبِّهِمْ، وَلَكِنْ قَدْ يَتَكَلَّمُ الْمَرْءُ عِنْدَ الْغَضَبِ بِاللَّفْظَةِ الَّتِي يَكُونُ غَيْرُهَا أَحْسَنَ وَأَجْمَلَ مِنْهَا، أَكْثَرُ مَا فِي هَذَا أن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَبَا ذَرٍّ، وَابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدِ اخْتَلَفُوا: هَلْ رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمْ يَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ، وَقَالَ أبو ذَرٍّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قَدْ رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ، وَقَدْ أَعْلَمْتُ فِي مَوَاضِعَ فِي كُتُبِنَا أن النَّفْيَ لَا يُوجِبُ عِلْمًا، وَالْإِثْبَاتُ هُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْعِلْمَ، لَمْ تَحْكِ عَائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنه خَبَّرَهَا إنه لَمْ يَرَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنَّمَا تَلَتْ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام: 103] وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وَحْيًا [الشورى: 51] وَمَنْ تَدَبَّرَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وَوُفِّقَ لِإِدْرَاكِ الصَّوَابِ، عَلِمَ إنه لَيْسَ فِي وَاحِدَةٍ مِنَ الْآيَتَيْنِ مَا يَسْتَحِقُّ مَنْ قَالَ أن مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ الرَّمْيَ بِالْفِرْيَةِ عَلَى اللَّهِ، كَيْفَ بِأَنْ يَقُولَ: قَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ؟ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام: 103] قَدْ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُثْبِتُ رُؤْيَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِقَهُ عَزَّ وَجَلَّ، قَدْ يَحْتَمِلُ بِأَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام: 103] عَلَى مَا قَالَ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ لِمَوْلَاهُ عِكْرِمَةَ «ذَاكَ نُورُهُ الَّذِي هُوَ نَوَّرَهُ، إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ لَا يُدْرِكُهُ شَيْءٌ»، وَالْمَعْنَى الثَّانِي، أَيْ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام: 103] أَبْصَارُ النَّاسِ؛ لِأَنَّ الْأَعَمَّ وَالْأَظْهَرَ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ أن الْإِبْصَارَ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى أَبْصَارِ جَمَاعَةٍ، لَا أَحْسِبُ غَرِيبًا يَجِيءُ مِنْ طَرِيقِ اللُّغَةِ أن يَقُولَ لِبَصَرِ امْرِئٍ وَاحِدٍ أَبْصَارٌ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لِبَصَرِ امْرِئٍ وَاحِدٍ بَصَرٌ، وَلَا سَمِعْنَا غَرِيبًا يَقُولُ: لِعَيْنِ امْرِئٍ وَاحِدٍ بَصَرَيْنِ، فَكَيْفَ أَبْصَارٌ وَلَوْ قُلْنَا: أن الْأَبْصَارَ تَرَى رَبَّنَا فِي الدُّنْيَا لَكِنَّا قَدْ قُلْنَا الْبَاطِلَ وَالْبُهْتَانَ فَأَمَّا مَنْ قَالَ: أن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَأَى رَبَّهُ دُونَ سَائِرِ الْخَلْقِ، فَلَمْ يَقُلْ: أن الْأَبْصَارَ قَدْ رَأَتْ رَبَّهَا فِي الدُّنْيَا، فَكَيْفَ يَكُونُ يَا ذَوِي الْحِجَا مَنْ يُثْبِتُ أن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَأَى رَبَّهُ، دُونَ سَائِرِ الْخَلْقِ مُثْبِتًا أن الْأَبْصَارَ قَدْ رَأَتْ رَبَّهَا... التوحيد لابن خزيمة.

الرد:

كلا القولين صحيح ولا تناقض بينهما فعائشة تقول أن الرسول لم يرى ربه في الدنيا، وجاءت اخبار عن بعض الصحابة إنه رأى ربه في فؤاده ولم يراه يقضه.

ولو قال قائل أن عائشة انكرت الرؤية وعند أهل السنة من ينكر الرؤية كافر: وَمَنْ زَعَمَ أن مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ

فالجواب:

 عن ماذا كانت تتحدث عائشة، عن رؤية الله في الأخرة أم رؤيته في الدنيا؟
وهل كانت تنكر رؤية النبي صلى الله عليه وسلم أم رؤية المؤمنين؟؟

قال ابن كثير: وَفِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ: أن اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِمُوسَى لَمَّا سَأَلَ الرُّؤْيَةَ: يَا مُوسَى إنه لَا يَرَانِي حَيٌّ إلا مَاتَ، وَلَا يَابِسٌ إلا تَدَهْدَهَ، أَيْ تَدَعْثَرَ، وَقَالَ تَعَالَى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ وَنَفْيُ هَذَا الْأثر الْإِدْرَاكَ الْخَاصَّ لَا يَنْفِي الرُّؤْيَةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَتَجَلَّى لِعِبَادِهِ. الْمُؤْمِنِينَ كَمَا يَشَاءُ، فَأَمَّا جَلَالُهُ وَعَظَمَتُهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ، فَلَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ.

وَلِهَذَا كَانَتْ أم الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، تُثْبِتُ الرُّؤْيَةَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَتَنْفِيهَا فِي الدُّنْيَا، وَتَحْتَجُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ فَالَّذِي نَفَتْهُ الْإِدْرَاكَ، الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى رُؤْيَةِ الْعَظَمَةِ وَالْجَلَالِ، عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِلْبَشَرِ، وَلَا لِلْمَلَائِكَةِ، وَلَا لِشَيْءٍ.

تفسير ابن كثير ج 3 ص 279 ط دار الكتب العلمية الطبعة الاولى

الرد على القائلين بأن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه:

الرد على استدلالهم بقوله عليه الصلاة والسلام: (نور إني أراه)، أن هذا الحديث الصحيح فيه إنه انقلب على الراوي، وهو وهم منه، والصحيح في الروايات كلها: قوله: (نور أنى أراه؟)، أي: كيف أراه؟ وأما ابن عباس وما ذهب إليه فقد وصلنا عنه قولان: القول الأول قال: محمد رأى ربه، بالإطلاق، ثم جاءت رواية بسند صحيح قال فيها: رأى محمد ربه مرتين بفؤاده.

فقيد الرؤية بالقلب، فيحمل قول ابن عباس المطلق على المقيد، ونحن نوافقهم في ذلك، بل أن عائشة توافق في ذلك حيث قالت: أن محمداً رأى ربه، ولذلك لما قالوا لها: (رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه بعينه قالت: قف شعري مما تقول، من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم الفرية)، يعني: أخطأ خطأ فاحشاً أن يقول: إنه رأى ربه، ثم استدلت على ذلك بقول الله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام:103]، وهذا الاستدلال فيه نظر، ولكن ما ذهبت إليه هو الصحيح، وهو أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم ير ربه في الدنيا، ويراه في الآخرة.

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي لمحمد حسين عبد الغفار ج 29 ص 7

الشبهة:

 يدّعي بعض الشيعة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الله تعالى بعينه في الدنيا.

الرد:

 الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها والنصوص القرآنية تؤكد أن رؤية الله في الدنيا مستحيلة للبشر، وأن ما فهمه بعض الصحابة من الرؤية كان محدودًا بالروح والفؤاد. أما في الآخرة، فإن المؤمنين يرون الله كما يشاء، وهذا لا ينافي نصوص القرآن والسنة.