أخذك (وفي رواية ألبسك) شيطانك يا عائشة؟

يحاول بعض أتباع الفرق الضالة، وعلى رأسهم الشيعة، اختلاق أحاديث أو تحريفها بهدف الطعن في الصحابة الكرام والنيل من سمعة النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه. من أبرز هذه الادعاءات الزعم بأن حديث "أخذك شيطانك يا عائشة" يدل على تعمد إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم من قبل عائشة رضي الله عنها، أو أنه يشير إلى نقص في صفاتها. في هذا المقال، سنوضح السياق الصحيح للحديث كما ورد في كتب الحديث الصحيحة، ونبين الرد العلمي على الشبهات التي اختلقها البعض.

نص الرواية:

حدثنا سعيد بن عبد ربه الصفار البغدادي قال نا الربيع بن ثعلب قال نا فرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت: «فقدت رسول الله e ذات ليلة من فراشة وظننت أنه قام إلى جاريته مارية فقمت ألتمس الجدار فوجدته قائما يصلي فأدخلت يدي في شعره لأنظر أغتسل ام لا، فلما انصرف قال «اخذك شيطانك يا عائشة؟ قلت: ولي شيطان يا رسول الله؟ قال: نعم. قلت: ولجميع بني ادم؟ قال: نعم. قلت ولك؟ قال: نعم ولكن الله أعانني عليه فأسلم».

رواه الطبراني في (المعجم الأوسط4/67) وقال: «لم يرو هذا الحديث عن يحيى بن سعيد عن عمرة إلا فرج بن فضالة».

قلت: فيه سعيد بن محمد بن إبراهيم التيمي. أما أبوه محمد فثقة غير أن ابن أبي حاتم والدارقطني ذكرا أنه لم يسمع من عائشة (العلل5/الورقة99). وأما ابنه (سعيد) فقد حكى يعقوب بن سفيان أن روايته عن أهل الكوفة ليست بشيء. (المعرفة والتاريخ1/426).

وذكر الحافظ في (التلخيص الحبير1/121) أن في الحديث أيضا فرج بن فضالة وهو ضعيف. وفي صحيح مسلم (لقد جاءك شيطانك يا عائشة) حين أصابتها الغيرة.

هو في حديث رواه مسلم عن عائشة، قالت: «إن رسول الله e خرج من عندها ليلا. قال: فغِرْتُ عليه، فجاء فرأى ما أصنع، فقال: مالك يا عائشة! أَغِرْتِ؟ فقلت: وما ليَ لا يَغارُ مثلي على مثلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقد جاءك شيطانُك؟ فقالت: يا رسول الله أو معي شيطان؟ قال نعم. قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال نعم. ولكن الله أعانني عليه حتى أسلم«.

وسياق الحديث يأبى الطعن بعائشة فإنها قالت:

«أمعي شيطان يا رسول الله؟ فقال نعم. قالت: ومع كل إنسان؟ قال نعم. قالت ومعك يا رسول الله؟ فقال نعم ولكن الله أعانني عليه فأسلم». هذا سياق مسلم بلفظه (4/2618 رقم2815).

فمناسبة الحديث الغيرة عليه e وليس تعمد إيذائه كما يكذب التيجاني بسبب تعلقه بشيطانه.

 فاتضح بذلك عدة أمور:

1) ليست عائشة وحدها التي معها شيطان، بل كل أحد، حتى النبي صلى الله عليه وسلم، فمن طعن عليها بذلك انسحب طعنه على زوجها وحبيبها صلى الله عليه وسلم، بل يكون قد طعن في نفسه دون أن يشعر!

2) أن مناسبة الحديث غيرة عائشة رضي الله عنها، وهذا من صفات النساء كافة، وفي الحديث الآخر غيرة فاطمة من علي رضي الله عنه لما أراد الزواج من ابنة عمه أبي لهب، وشكايتها إياه لأبيها صلى الله عليه وسلم، فكما لم يكن ذلك نقصا في السيدة فاطمة، لم يكن نقصا في السيدة عائشة، رضي الله عن الجميع.

3) فظهر بذلك جهل وكذب التيجاني أو من كتب له عندما زعم أن القصد في الحديث تعمد إيذائه صلى الله عليه وسلم، وليس الغيرة!.

4) ومن النماذج على كذب التيجاني ما وجدناه في كتابه (ثم اهتديت) من هذه الرواية: «إبحث عن دينك حتى يقال مجنون». وهو حديث إفتراه التيجاني زورا وعزاه إلى البخاري! وهذا محض افتراء. ولا يوجد هذا الحديث بهذا اللفظ في شيء من كتب الحديث.

أما الحديث نفسه فلفظه هكذا:

«أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون». وليس (إبحث) وليس (دينك). وليس هو في صحيح البخاري كما ادعى من زعم أنه اهتدى وإنما هو من الذين {اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} (الأعراف:30). والحديث حتى بهذا اللفظ (أكثروا...) ضعيف منكر: أخرجه أحمد (3/68) ورواه الحاكم (1/499) وقال: صحيح الاسناد. وليس كذلك. فإنه من رواية دراج أبي السمح. ودراج ضعفه الأكثرون، وروايته عن أبي الهيثم خصوصا عدها أحمد وأبو داود منكرة، وذكره ابن عدي (الكامل في الضعفاء3/115 والذهبي في الميزان2/25) واعتبروه من مناكير أبي السمح. قال شيخنا الألباني «منكر» (سلسلة الأحاديث الضعيفة 517).

5) آلآن ظهرت غيرتكم على رسول الله؟ أين ذهبت غيرتكم عندما طعنتم في عرضه صلى الله عليه وسلم، واتهمتهم أحب الناس إليه بالزنا والردة وضرب المثل لها بامرأة نوح وامرأة لوط؟ وأنها كانت تنام مع علي تحت لحاف واحد؟

الشبهة:

ادعى بعض الشيعة والتيجاني أن حديث "أخذك شيطانك يا عائشة" يدل على تعمد إيذاء النبي، وأن عائشة رضي الله عنها كانت تصرفت بسوء.

الرد:

الحديث جاء في سياق الغيرة المشروعة لعائشة رضي الله عنها على النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يدل على أي سوء نية أو تصرف خاطئ. النبي صلى الله عليه وسلم أكد لها أن كل البشر معرضون للوسوسة، وأن الله أعانهم على طاعته، فالحديث يوضح طبيعية الغيرة، وليس الإساءة.