هل خالف أبو بكر الصديق سنة النبي ﷺ في توزيع الخمس؟ دراسة حديثية وفقهية

تُعدّ مسألة توزيع الخمس والفيء من القضايا الفقهية المهمة في الشريعة الإسلامية، وقد وردت فيها نصوص نبوية وأحاديث صحيحة توضح مصارفها وأحكامها. ومن الأحاديث التي يُستدل بها في هذا الباب ما رُوي عن الصحابي جبير بن مطعم رضي الله عنه، حيث ذُكر أن رسول الله ﷺ كان يعطي ذوي القربى من بني هاشم وبني المطلب، بينما لم يكن يعطي بني عبد شمس وبني نوفل.

وفي هذا السياق، يُثار تساؤل حول تصرف الخليفة الراشد أبو بكر الصديق رضي الله عنه، حيث ورد إنه كان يقسم الخمس وفق ما فعله النبي ﷺ، لكنه لم يكن يعطي ذوي القربى كما كان يُعطيهم النبي ﷺ. وقد ناقش العلماء هذا الأمر وبيّنوا أبعاده الفقهية، ومنهم شراح الحديث مثل البيهقي وملا علي القاري، حيث أوضحوا أن هذا التصرف يدخل ضمن الاجتهاد في تطبيق المصارف الشرعية.

كما أشار المحدثون، ومنهم الألباني، إلى صحة الرواية، وبيّنوا أن اختلاف التطبيق بين الصحابة لا يعني مخالفة السنة، بل هو من باب الاجتهاد في فهم النصوص وتطبيقها حسب المصلحة الشرعية.

ويهدف هذا المقال إلى تحليل الحديث، وبيان أقوال العلماء، وتوضيح أن ما فعله أبو بكر رضي الله عنه يدخل في إطار الاجتهاد المشروع، مع عرض الفروق بين تصرفات النبي ﷺ وتصرفات الخلفاء الراشدين في إدارة الأموال العامة.

أن أبا بكر لم يكن يعطي قربى رسول الله كما كان يعطيهم رسول الله:

حدثنا عبيد الله بن عمر حدثنا عثمان بن عمر أخبرني يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب حدثنا جبير بن مطعم «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقسم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل من الخمس شيئا كما قسم لبني هاشم وبني المطلب. قال وكان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غير إنه لم يكن يعطي قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يعطيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عمر يعطيهم ومن كان بعده منهم».

رواه أبو داود في (السنن2/161) والبيهقي في (السنن البرى6/342) وصححه شيخنا الألباني في (الإرواء حديث رقم1242).

شرح الحديث:

قال الشيخ ملا علي قاري: "الراشدون لم يعطوا ذوي القربى لبيان مصرف الاستحقاق. وذلك أن القربى وإن قيدت بالنصرة والموازرة في الجاهلية فإنهم بقوا بعده عليه الصلاة والسلام، فكان يجب أن يعطوهم. فلما لم يعطوهم كان المراد بيان أن ذوي القربى مصارف جاز للراشدين أن يصرفوه إلى غيرهم خصوصا وقد رأوهم أغنياء متمولين إذ ذاك، ورأوا صرفه إلى غيرهم أنفع، مع أن الفقير من ذوي القربى مصرف ينبغي أن يقدم على الفقراء.

وأما إنه يكون لبني هاشم وبني المطلب دون غيرهم لأن كونهم مصارف كان للنصرة لما في أبي داود وغيره بسنده إلى سعيد بن المسيب قال: «أخبرني جبير بن مطعم قال فلما كان يوم خيبر وضع سهم ذوي القربى في بني هاشم وبني المطلب وترك بني نوفل وبني عبد شمس فانطلقت أنا وعثمان بن عفان رضي الله عنه حتى أتينا رسول الله فقلنا يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم للموضع الذي وضع فيهم فما بال إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وقرابتنا وأحدة فقال عليه الصلاة والسلام أنا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام وإنما نحن وهم شيء وأحد وشبك بين أصابعه».

أشار بهذا إلى نصرتهم إياه نصرة المؤانسة والموافقة في الجاهلية فإنه ليس إذ ذاك آخر قتال فهو يشير إلى دخولهم معه في الشعب حين تعاقدت قريش على هجران بني هاشم وأن لا يبايعوهم ولا يناكحوهم. والقصة في السيرة شهيرة وعن هذا استحقت ذراريهم مع إنه لا يتأتى نصرة منهم. هذا خلاصة كلام ابن الهمام في هذا المقام والله أعلم بالمرام وعن أبي هريرة قال قال رسول الله أيما قربة أتيتموها أي بلا قتال بأن خلا أهلها أو صالحوا عليها وأقمتم فيها فسهمكم فيها أي لا يختص بكم بل تكون مشتركة بينكم وبين من لم يخرج منكم من جيش المسلمين لأن مثل هذا المال يكون فيأ والفيء لا يختص بالخارجين للمحاربة وأيما قرية عصت الله ورسوله أي فأخذتم منهم مالا بإيجاف خيل وركاب فإن خمسها لله ولرسوله ثم هي أي بقية أموالهم وأراضيها لكم قال ابن الملك أي ذلك المال يكون غنيمة ويؤخذ خمسها لله ورسوله ويقسم الباقي منها. وفيه أن مال الفيء لا يخمس.

وقال أهل العلم: المراد بالأولى ما فتحه العسكر من غير أن يكون فيهم النبي فهي للعسكر وبالثانية أن يكون النبي فيهم فيأخذ الخمس والباقي لهم.

قال الأشرف أي كل قرية غزوتموها واستوليتم عليها أو لم أكن أنا فيكم وقسمتم الغنائم بأنفسكم فسهمكم في تلك الغنائم وأيما قرية عصت الله تعالى ورسوله أي وأنا قد حضرت قتالها بنفسي فأنا أخمس الغنائم ثم أقسم عليكم بنفسي»

(مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح12/184 باختصار وتصرف يسير).