روايات بعث أبي بكر إلى خيبر: تحليل الأسانيد واختلاف طرق النقل
تُعد دراسة الروايات التاريخية والحديثية من أهم المجالات التي اهتم بها علماء الحديث، حيث وضعوا ضوابط دقيقة للتحقق من صحة الأخبار المنقولة عن الصحابة رضي الله عنهم. ويعتمد هذا المنهج على فحص الأسانيد، ودراسة حال الرواة، ومقارنة الطرق المختلفة للرواية للوصول إلى الحكم الصحيح على الخبر.
ومن الروايات التي نوقشت في هذا السياق ما ورد في شأن بعث أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى خيبر، حيث جاءت نصوص متعددة تختلف في ألفاظها ومضامينها بين ذكر القتال، أو الجهد، أو ما قد يُفهم منه غير ذلك.
ويهدف هذا المقال إلى دراسة هذه الروايات من خلال تحليل أسانيدها، وبيان اختلاف طرق نقلها، مع عرض أقوال أئمة الجرح والتعديل في الرواة المذكورين، مثل محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وبيان أثر ذلك على الحكم على الرواية، وذلك وفق منهج علمي دقيق قائم على قواعد المحدثين.
بعث أبا بكر إلى خيبر فسار بالناس وإنهزم حتى رجع:
قال الحاكم: "4338 - أخبرنَا أبو قُتَيْبَةَ سَالِمُ بْنُ الْفَصْلِ الْآدَمِيُّ، بِمَكَّةَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أبي شَيْبَةَ، ثنا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ، عَنِ ابْنِ أبي لَيْلَى، عَنِ الْحَكَمِ، وَعِيسَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أبي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ إنه قَالَ: يَا أبا لَيْلَى أما كُنْتَ مَعَنَا بِخَيْبَرَ؟ قَالَ: بَلَى وَاللَّهِ كُنْتُ مَعَكُمْ، قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «بَعَثَ أبا بَكْرٍ إلى خَيْبَرَ فَسَارَ بِالنَّاسِ وإنهزَمَ حَتَّى رَجَعَ» هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإسناد، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ "
[التعليق - من تلخيص الذهبي]
4338 – صحيح " مستدرك الحاكم على الصحيحين مع تعليقات الذهبي – أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم – ج 3 ص 39
تصحيح الحاكم للرواية، وموافقة الذهبي له غير مقبول، ومخالف للدليل، واليك نقولات ائمة النقد في محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى،
قال الإمام النسائي:
" محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قاضي الكوفة أحد الفقهاء ليس بالقوي في الحديث "
الضعفاء والمتروكون – أحمد بن علي بن شعيب النسائي - ج 1 ص 232
وقال الإمام ابن الجوزي:
" 3072 مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى بن بِلَال بن اميمة أبو عبد الرَّحْمَن الْأنْصَارِيّ القَاضِي يروي عَن عَطاء وَالشعْبِيّ قَالَ شُعْبَة مَا رَأَيْت أَسْوَأ حفظا مِنْهُ وَقَالَ أحمد ضَعِيف وَقَالَ مرّة سيء الْحِفْظ مُضْطَرب فِي الحَدِيث وَقَالَ يحيى بن سعيد سيء الْحِفْظ جدا وَقَالَ يحيى بن معِين ضَعِيف الحَدِيث وَقَالَ مرّة لَيْسَ بِذَاكَ وَقَالَ أبو حَاتِم الرَّازِيّ شغل بِالْقضَاءِ فسَاء حفظه وَلَا يتهم بِشَيْء من الْكَذِب إِنَّمَا يُنكر عَلَيْهِ كَثْرَة الْخَطَأ وَلَا يحْتَج بِهِ وَقَالَ النَّسَائِيّ لَيْسَ بِالْقَوِيّ فِي الحَدِيث وَقَالَ ابْن حبَان كان فَاحش الْخَطَأ رَدِيء الْحِفْظ فكثرت الْمَنَاكِير فِي حَدِيثه فَاسْتحقَّ التّرْك تَركه أحمد وَيحيى وَقَالَ الدراقطني هُوَ رَدِيء الْحِفْظ كثير الْوَهم "
الضعفاء والمتروكون – عبد الرحمن بن علي بن الجوزي - ج 3 ص 76
ولقد جاءت رواية اخرى قبل هذه الرواية في المستدرك: "4338 - حَدَّثَنَا أبو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا أحمد بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى بَعْضِ حُصُونِ خَيْبَرَ فَقَاتَلَ وَجُهِدَ وَلَمْ يَكُنْ فَتْحٌ» هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإسناد، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ "
[التعليق - من تلخيص الذهبي]
4338 – صحيح " مستدرك الحاكم على الصحيحين مع تعليقات الذهبي – أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم – ج 3 ص 39
وهذه الرواية لا يوجد فيها الهزيمة بل يوجد فيها القتال، والجهد، ثم جاءت رواية بعدها، تبين القتال الشديد الذي قاتله أبو بكر رضي الله عنه، فقد قال الإمام الحاكم: "4339 - حَدَّثَنَا مَيْمُونُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ الْحَسَنِ الْهَاشِمِيُّ، بِبَغْدَادَ، ثنا أحمد بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ، ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، ثنا الْمُسَيِّبُ بْنُ مُسْلِمٍ الْأَزْدِيُّ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «كان رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُبَّمَا أَخَذَتْهُ الشَّقِيقَةُ، فَيَلْبَثُ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ لَا يَخْرُجُ، فَلَمَّا نَزَلَ بِخَيْبَرَ أَخَذَتْهُ الشَّقِيقَةُ، فَلَمْ يَخْرُجْ إلى النَّاسِ، وَأَنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخَذَ رَايَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ نَهَضَ فَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا ثُمَّ رَجَعَ» هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإسناد وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ "
[التعليق - من تلخيص الذهبي]
4339 – صحيح " مستدرك الحاكم على الصحيحين مع تعليقات الذهبي – أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم – ج 3 ص 39
وفي هذه الرواية إنه قاتل قتالا شديدا ثم رجع، ولا يوجد فيها هزيمة، ولا شيء اخر، والله الموفق للصواب.