الدعاء وآدابه واستحبابه من منظور أهل السنة (4)
الدعاء عبادة عظيمة وركيزة من ركائز القرب من الله تعالى، وقد أمر الله عباده بالتضرع إليه وطلب حاجاتهم، وجعل له آداباً وآليات يستحب للمسلم اتباعها ليكون دعاؤه مقبولاً ومستجاباً.
ومن أهم هذه الآداب ملازمة الصبر، وطلب الحلال، وصلة الرحم، والعمل الصالح، وكذلك التمسك بالتأمين على الدعاء، والتأكيد على دعاء المؤمنين بظهر الغيب، والاختيار للتوسل للغير قبل الدعاء للنفس، والحرص على العموم في الدعاء أثناء الصلاة أو أمام الجماعة.
وقد جاء في أحاديث أهل البيت عليهم السلام، رغم انحرافهم وضلالتهم، إشارات إلى فضل هذه الآداب، وكيف أن الدعاء إذا اجتمع مع الأعمال الصالحة والنية الخالصة، يفتح خزائن الله للرزق، ويصرف المكروه عن الداعي. ويبرز هذا المقال استحباب الدعاء وآدابه وفق ما ورد عن أهل البيت عليهم السلام، مع التركيز على القواعد الشرعية العامة في استجابة الدعاء وفق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
استحباب ملازمة الداعي للصبر، وطلب الحلال:
استحباب ملازمة الداعي للصبر، وطلب الحلال وطيب المكسب، وصلة الرحم والعمل الصالح.
عن الصادق عليه السلام قال:
من سره أن تستجاب دعوته فليطيب مكسبه[1].
وعن أبي الحسن الرضا عليه السلام في حديث قال:
لا تمل من الدعاء فإنه من الله بمكان، وعليك بالصبر وطلب الحلال وصلة الرحم، وإياك ومكاشفة الناس، فإنا أهل بيت نصل من قطعنا، ونحسن إلى من أساء إلينا، فنرى والله في ذلك العاقبة الحسنة[2].
استحباب التأمين على دعاء المؤمن وتأكده مع التماسه:
عن الصادق عليه السلام قال: الداعي والمؤمن في الأجر شريكان[3].
وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: دعا موسى وأمن هارون وأمنت الملائكة، فقال الله تعالى: قد أجيبت دعوتكما[4].
وقال: كان أبي عليه السلام إذا حزنه أمر دعا النساء والصبيان ثم دعا وأمنوا[5].
وعن الكاظم عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يدعو وحوله إخوانه، يجب عليهم أن يؤمنوا؟ قال: إن شاءوا فعلوا، وإن شاءوا سكتوا، فان دعا وقال لهم: أمنوا وجب عليهم أن يفعلوا[6].
استحباب العموم في الدعاء وتأكده في امام الجماعة:
عن الصادق عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا دعا أحدكم فليعم فإنه أوجب للدعاء[7].
وعن الباقر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من صلى بقوم فاختص نفسه بالدعاء دونهم فقد خانهم[8].
استحباب الدعاء للمؤمن بظهر الغيب، والتماس الدعاء منه:
روي أن الله عزوجل قال لموسى: ادعني على لسان لم تعصني به، فقال: يا رب، أنى لي بذلك؟ قال: ادعني على لسان غيرك[9].
عن الباقر عليه السلام قال: أوشك دعوة وأسرع إجابة دعاء المرء لأخيه بظهر الغيب[10].
وعنه أيضاً: أسرع الدعاء نجحا للإجابة دعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب، يبدأ بالدعاء لأخيه فيقول له ملك موكل به: آمين، ولك مثلاه[11].
وقال: عليك بالدعاء لاخوانك بظهر الغيب فإنه يهيل الرزق، يقولها ثلاثا[12].
وعن الصادق عليه السلام قال:
دعاء المرء لأخيه بظهر الغيب يدر الرزق ويدفع المكروه[13].
وقال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ليس شئ أسرع إجابة من دعوة غائب لغائب[14].
وروى عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا علي، أربعة لا ترد لهم دعوة: إمام عادل، والوالد لولده، والرجل يدعو لأخيه بظهر الغيب، والمظلوم، يقول الله: وعزتي وجلالي لأنتصرن لك ولو بعد حين[15].
وروي أيضاً عن آبائه عليهم السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: من دعا لمؤمن بظهر الغيب قال له الملك: ولك مثل ذلك[16].
وقال: إن دعاء الأخ المؤمن لأخيه بظهر الغيب مستجاب، ويدر الرزق، ويدفع المكروه[17].
وقال: الدعاء لأخيك بظهر الغيب يسوق إلى الداعي الرزق، ويصرف عنه البلاء، ويقول الملك: ولك مثل ذلك[18].
استحباب اختيار الانسان الدعاء للمؤمن على الدعاء لنفسه:
عن زين العابدين عليه السلام قال: إن الملائكة إذا سمعوا المؤمن يدعو لأخيه المؤمن بظهر الغيب أو يذكره بخير قالوا: نعم الأخ أنت لأخيك، تدعو له بالخير وهو غائب عنك، وتذكره بخير، قد أعطاك الله عز وجل مثلي ما سألت له، وأثنى عليك مثلي ما أثنيت عليه، ولك الفضل عليه، الحديث[19].
وعن الباقر عليه السلام في قوله تعالى:
﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ﴾ [الشورى: 26].
قال: هو المؤمن يدعو لأخيه بظهر الغيب، فيقول له الملك: آمين، ويقول الله العزيز الجبار: لك مثلا ما سألت وقد أعطيت ما سألت بحبك إياه[20].
وعن الصادق عليه السلام قال:
من دعا لأخيه في ظهر الغيب ناداه ملك من السماء الدنيا: يا عبد الله، ولك مائة ألف ضعف مما دعوت، وناداه ملك من السماء الثانية: يا عبد الله، ولك مائتا ألف ضعف مما دعوت، وناده ملك من السماء الثالثة: يا عبد الله، ولك ثلاثمائة ألف ضعف مما دعوت، وناداه ملك من السماء الرابعة: يا عبد الله ولك أربعمائة ألف ضعف مما دعوت، وناداه ملك من السماء الخامسة: يا عبد الله، ولك خمسمائة ألف ضعف مما دعوت، وناداه ملك من السماء السادسة: يا عبد الله، ولك ستمائة ألف ضعف مما دعوت، وناداه ملك من السماء السابعة: عبد الله، ولك سبعمائة ألف ضعف مما دعوت، ثم يناديه الله تعالى: أنا الغني الذي لا أفتقر، لك يا عبد الله ألف ألف ضعف مما دعوت[21].
وعنه أيضاً عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن فاطمة الصغرى، عن الحسين بن علي، عن أخيه الحسن قال: رأيت أمي فاطمة عليها السلام قامت في محرابها ليلة جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم، وتكثر الدعاء لهم، ولا تدعو لنفسها بشئ، فقلت لها: يا أماه، لم لا تدعون لنفسك كما تدعون لغيرك؟ فقالت يا بني، الجار ثم الدار[22].
وعن موسى الكاظم عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: كانت فاطمة عليها السلام إذا دعت تدعو للمؤمنين والمؤمنات ولا تدعو لنفسها، فقيل لها: يا بنت رسول الله، إنك تدعو للناس ولا تدعو لنفسك؟ فقالت: الجار ثم الدار[23].
وقال: الداعي لأخيه المؤمن بظهر الغيب ينادى من أعنان السماء: لك بكل واحدة مائة ألف[24].
وقال: إن من دعا لأخيه بظهر الغيب نودي من العرش: ولك مائة ألف ضعف[25].
[1] التحفة السنية، لعبد الله الجزائري 146، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/84، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/293، 17/27، تفسير نور الثقلين، للحويزي، 4/530
[2] الكافي، للكليني، 2/488، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/84، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/298، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 1/91، 7/23، 10/399، حياة الإمام الرضا (عليه السلام)، لباقر شريف القرشي، 2/75
[3] الإمامة والتبصرة، لإبن بابويه القمي، 37، الكافي، للكليني، 2/487، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/105، مكارم الأخلاق، للطبرسي 274، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/299
[4] وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/105، 128، عدة الداعي، لإبن فهد الحلي، 146 (الحاشية)، بحار الأنوار، للمجلسي، 13/135، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/300، التفسير الأصفى، للفيض الكاشاني، 1/522، التفسير الصافي، للفيض الكاشاني، 2/415
[5] الكافي، للكليني، 2/487، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/105، مكارم الأخلاق، للطبرسي 274، عدة الداعي، لإبن فهد الحلي، 146، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/297، 0/316، 341، 394، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/300، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 3/296، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 3/432، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 2/879، مكيال المكارم، للميرزا محمد تقي الأصفهاني، 1/446، 2/58
[6] مسائل علي بن جعفر، لإبن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، 155، قرب الاسناد، للحميري القمي، 298، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/105، بحار الأنوار، للمجلسي، 10/271، 90/393، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/300
[7] الدعوات، لقطب الدين الراوندي، 26، الكافي، للكليني، 2/487، ثواب الأعمال، للصدوق، 162، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/106، بحار الأنوار، للمجلسي، 90/386، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/301، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 3/433، أعلام الدين في صفات المؤمنين، للديلمي، 394، مكيال المكارم، للميرزا محمد تقي الأصفهاني، 1/330
[8] المقنع، للصدوق، 118، من لا يحضره الفقيه، للصدوق، 1/400، تهذيب الأحكام، للطوسي، 3/281، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/106، 8/425، بحار الأنوار، للمجلسي، 85/121 (الحاشية)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 6/549، 15/301
[9] وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/109، عدة الداعي، لإبن فهد الحلي، 120، 133، 170، عوالي اللئالي، لإبن أبي جمهور الأحسائي، 4/21، بحار الأنوار، للمجلسي، 90/342، 360، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/310، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 1/89، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 2/887
[10] الكافي، للكليني، 2/507، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/107، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/308، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 3/434، 10/226، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 2/887
[11] الكافي، للكليني، 2/507، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/107، عدة الداعي، لإبن فهد الحلي، 133 (الحاشية)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/308، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 3/434، 11/252، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 2/887، مكيال المكارم، للميرزا محمد تقي الأصفهاني، 1/455
[12] وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/108، مستطرفات السرائر، لإبن إدريس الحلي، 637، بحار الأنوار، للمجلسي، 73/60، 90/387، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/550، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 9/378، 10/355، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 2/887، 1073، 4/3540، مكيال المكارم، للميرزا محمد تقي الأصفهاني، 1/343
[13] الكافي، للكليني، 2/507، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/106، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 3/435، 4/188، 10/416، مكيال المكارم، للميرزا محمد تقي الأصفهاني، 1/342
[14] الكافي، للكليني، 2/510، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/107، بحار الأنوار، للمجلسي، 90/359، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/308، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 2/887، الصحيفة الصادقية، لباقر شريف القرشي، 30
[15] الخصال، للصدوق، 197، من لا يحضره الفقيه، للصدوق، 4/355، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/108، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 5/248، مكارم الأخلاق، للطبرسي 434، مستطرفات السرائر، لإبن إدريس الحلي، 616، بحار الأنوار، للمجلسي، 74/47، 90/356، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/306، تفسير نور الثقلين، للحويزي، 4/533
[16] وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/109
[17] قرب الاسناد، للحميري القمي، 6، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/109
[18] وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/109، الأمالي، للطوسي 677، بحار الأنوار، للمجلسي، 90/358، 387، مكيال المكارم، للميرزا محمد تقي الأصفهاني، 1/343
[19] الكافي، للكليني، 2/508، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/111، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/309، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 3/435، 11/382، بلاغة الإمام علي بن الحسين (عليه السلام)، لجعفر عباس الحائري، 214، جامع السعادات، لمحمد مهدي النراقي، 1/281، مكيال المكارم، للميرزا محمد تقي الأصفهاني، 1/456
[20] الدعوات، لقطب الدين الراوندي، 290، الكافي، للكليني، 2/507، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/111، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 5/243، عدة الداعي، لإبن فهد الحلي، 172، بحار الأنوار، للمجلسي، 64/49، 90/388، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/307، التفسير الأصفى، للفيض الكاشاني، 2/1129، التفسير الصافي، للفيض الكاشاني، 4/376، 6/370، تفسير نور الثقلين، للحويزي، 4/579
[21] وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/112، عدة الداعي، لإبن فهد الحلي، 172
[22] منهاج الصالحين، لوحيد الخراساني، 1/280، علل الشرائع، للصدوق، 1/182، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/113، بحار الأنوار، للمجلسي، 43/81، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/311، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 2/331، موسوعة كلمات الإمام الحسن (عليه السلام)، للجنة الحديث في معهد باقر العلوم (عليه السلام)، 240، بيت الأحزان، لعباس القمي 38، الأسرار الفاطمية، لمحمد فاضل المسعودي 356
[23] علل الشرائع، للصدوق، 1/182، روضة الواعظين، للفتال النيسابوري، 329، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/113، بحار الأنوار، للمجلسي، 43/82، 90/388، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/311، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 3/178، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 2/887، كشف الغمة، لإبن أبي الفتح الإربلي، 2/96
[24] وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/111، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/310، اختيار معرفة الرجال، للطوسي، 2/852، حياة الإمام الرضا (عليه السلام)، لباقر شريف القرشي، 2/138
[25] وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/110، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 3/435، مكيال المكارم، للميرزا محمد تقي الأصفهاني، 1/456