رواية رأس الحسين بين التحقيق والتضعيف
تُعدّ الروايات المتعلقة بمقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما وما جرى بعد ذلك من الأحداث من أكثر الأخبار تداولًا في كتب التاريخ والسير، وقد دخلها الصحيح والضعيف، والمثبت والمنكر، مما يستدعي الوقوف عندها بمنهج أهل الحديث القائم على التمحيص والنقد العلمي للأسانيد والمتون.
ومن الروايات التي كثر الاستشهاد بها قصة قول بعضهم ليزيد: «أبشر، فقد أمكنك الله من الحسين»، وما تبع ذلك من ذكر وضع الرأس في طست، وضرب الثنايا بالقضيب، ثم ما رُوي عن بقاء الرأس في خزائن السلاح ودفنه لاحقًا. وقد وصف بعض المتأخرين هذه الرواية بأنها "قوية الإسناد"، بينما خالفهم أئمة النقد، وعلى رأسهم الإمام الذهبي، مبينين ما في سندها من مقال.
يهدف هذا المقال إلى دراسة هذه الرواية دراسة حديثية دقيقة، من خلال تحليل سلسلة الإسناد، وبيان حال رواتها، ومناقشة أقوال أئمة الجرح والتعديل فيهم، وعلى رأسهم الإمام الذهبي في كتابه "ميزان الاعتدال"، مع التفريق بين ما يثبت بدليل معتبر، وما لا يصح نسبته تاريخيًا.
فالعدل والإنصاف يقتضيان عدم قبول الأخبار لمجرد موافقتها للعاطفة أو شيوعها في بعض المصادر، بل العبرة بثبوتها وفق القواعد العلمية التي سار عليها أئمة هذا الشأن.
أبشر فقد أمكنك الله من الحسين
أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة: حدثني أبي عن أبيه قال: أخبرني أبي حمزة بن يزيد الحضرمي قال: «رأيت أمرأة من أجمل النساء وأعقلهن، يقال لها: ريا، حاضنة يزيد، يقال: بلغت مئة سنة. قالت: دخل رجل على يزيد، فقال: أبشر، فقد أمكنك الله من الحسين، وجئ برأسه، قال: فوضع في طست، فأمر الغلام، فكشف، فحين رآه، خمر وجهه كانه شم منه. فقلت لها: أقرع ثناياه بقضيب؟ قالت: إي والله. ثم قال حمزة: وقد حدثني بعض أهلنا إنه رأى رأس الحسين مصلوبا بدمشق ثلاثة أيام. وحدثتني ريّا، أن الرأس مكث في خزائن السلاح حتى ولي سليمان، فبعث، فجئ به، وقد بقي عظما أبيض، فجعله في سفط، وطيبه، وكفنه، ودفنه في مقابر المسلمين. فلما دخلت المسودة سألوا عن موضع الرأس، فنبشوه، وأخذوه، فالله أعلم ما صنع به. وذكر باقي الحكاية وهي قوية الإسناد».
قلت: ليس قويا بشهادة الذهبي. فقد قال الذهبي نفسه «أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة البتلهى الدمشقي. عن أبيه: له مناكير. قال أبو أحمد الحاكم: فيه نظر. وحدث عنه أبو الجهم المشغرائى ببواطيل، ومن ذلك: عن أبيه عن جده، عن الاعمش، عن ابن المنكدر عن جابر يرفعه: من أحب أن يشم رائحتي فليشم الورد»
(ميزان الاعتدال1/151 ترجمة593).