تعدّ الأخبار المتعلقة بسيرة يزيد بن معاوية، خاصة في حداثته، من المواضيع التي تحتاج إلى تحقيق دقيق نظرًا لتداخل الروايات الصحيحة والموضوعة، والاتهامات الموجهة له، سواء في كتب التاريخ أو كتب الحديث. ومن أبرز هذه الروايات ما روي عن أبي الفرج غيث بن علي عن ابن عائشة، بشأن أن يزيد بن معاوية كان في حداثته صاحب شراب، وأن معاوية حرص على توجيهه برفق ونصيحة ليبتعد عن الأخطاء التي قد تهدم مروءته وقدره.
وقد وقع في هذه الرواية عدة مشكلات نقدية. أولها طول السند ووجود راوٍ معروف بالموضوعية والضعف، مثل محمد بن زكريا الغلابي، الذي قال عنه ابن الجوزي: "كان غاليا في التشيع"، وذكر الدارقطني إنه "كان يضع الحديث". كما أن محمد بن حفص المعروف بابن عائشة مجهول في الرواية، مع فارق زمني طويل بينه وبين الحدث المنقول، مما يثير الشك في صحة الرواية.
يتناول هذا المقال تحليل هذه الرواية من منظور النقد الحديثي، مبينًا مواضع الضعف في سندها والمتن، وتأثيرها على فهم شخصية يزيد بن معاوية في حداثته، كما يوضح مدى إمكانية الاحتجاج بها أو عدمه وفق منهج أهل الحديث.
كان يزيد بن معاوية في حداثته صاحب شراب
و في هذا الحديث منقبة ليزيد رحمه الله حيث كان في أول جيش يغزوا أرض الروم.
واحتجوا بما أخرجه الحافظ ابن عساكر «أنبأنا أبو الفرج غيث بن علي نا أبو بكر الخطيب أنا أبو نعيم الحافظ نا سليمان بن أحمد نا محمد بن زكريا الغلأبي نا ابن عائشة عن أبيه قال: كان يزيد بن معاوية في حداثته صاحب شراب يأخذ مآخذ الأحداث فأحس معاوية بذلك فأحب أن يعظه في رفق فقال يا بني ما أقدرك على أن تصير إلى حاجتك من غير تهتك يذهب بمروءك وقدرك» (تاريخ دمشق65/403).
موضوع. فيه محمد بن زكريا الغلابي. قال ابن الجوزي «الغلأبي كان غاليا في التشيع» (الموضوعات2/445). قال الدارقطني «كان يضع الحديث» (لسان الميزان5/168).
وفيها ابن عائشة وهو محمد بن حفص. مجهول. غير أن ابنه عبد الله الراوي عنه توفي سنة 228 هـ. وهذا يكشف فترة طويلة بين ابن عائشة وبين القصة.