الذكر والدعاء من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى الله سبحانه وتعالى، وهما مرتبطان ارتباطًا وثيقًا؛ فالدعاء هو سؤال العبد لربه حاجته من أمور الدنيا أو الآخرة، والذكر يشمل حمد الله وتمجيده وتنزيهه عن النقائص، ويصاحبه حضور القلب واللسان معًا.
وقد أشار العلماء إلى أن الدعاء يكون أكمل وأقوى تأثيرًا عندما يسبقه الذكر والثناء على الله، ويُصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، سواء في بداية الدعاء أو ختامته، لما في ذلك من تأثير روحي وزيادة في فرص الإجابة. كما أن التوسل باسم الله تعالى أو بصفاته العليا من أنواع التوسل المشروع الذي أقره القرآن والسنة، مما يدل على ارتباط الذكر بالدعاء وفاعليته في حياة المسلم.
ويكشف هذا المقال عن الصلة العملية بين الدعاء والذكر، مع عرض البركات الدنيوية للذكر، مثل اطمئنان القلب وزوال الخوف، ومنح القوة للعبد في أداء الأعمال، وجلب الرزق والخيرات، والاستشفاء بالرقية الشرعية، مستندًا إلى أقوال ابن القيم رحمه الله، وصحيح البخاري ومسلم، وأدلة التوسل المشروع من القرآن والسنة.
صلة الدعاء بالذكر:
صلة الدعاء بالذكر توجد صلة قوية بين الدعاء والذكر حيث أن دعاء الله تعالى مصاحب لذكره فهو سؤال العبد وبه حاجته من أمور الدنيا أو الآخرة بلسان الحال والمقال فالدعاء إذن يتضمن الذكر ولذا تسمى الأدعية أذكارا للتغليب ومما يحسن بيإنه هنا إنه كلما كثر ذكر الله تعالى والثناء عليه في الدعاء فهو أفضل وأحرى للإجابة قال ابن القيم رحمه الله المستحب في الدعاء أن يبدأ الداعي بحمد الله تعالى والثناء عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي حاجته ثم يسأل حاجته (انظر الوابل الصيب ص 191 - 195)
ثم ذكر الشواهد على ذلك ولذا كان التوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه الحسنى أو صفة من صفاته العليا في الدعاء من أنواع التوسل المشروع كان يقول المسلم في دعائه اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم اللطيف الخبير أن تعافيني أو يقول أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمني وتغفر لي (التوسل أنواعه وأحكامه للألباني ص 29) والدليل على مشروعية هذا التوسل قول الله تبارك وتعالى ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها الأعراف 180 ومن الأدلة والشواهد عليه ما ذكره الله تعالى من دعاء سليمان عليه السلام حيث ﴿قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين﴾ النمل 19 ومن الأدلة من السنة ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني (صحيح البخاري 8 / 167 كتاب التوحيد باب قول الله تعالى وهو العزيز الحكيم وصحيح مسلم 4/2086 كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر مالم يعمل واللفظ لمسلم) وما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك أو أنزلته في كتابك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرجا (أخرجه الإمام أحمد في مسنده 1/391 والحاكم في المستدرك 1/509 وابن حبان في صحيحه 2/160 بترتيب الفارسي واللفظ لأحمد وصححه الألباني انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة 1/176 ومن أراد المزيد من الأدلة فليرجع إلى كتاب التوسل للألباني ص 29 - 32) الحديث وبعد أن عرضت أنواع الذكر بشيء من البسط لأجل أن تتضح كيفية التبرك بذكر الله تعالى يحسن الآن أن أختتم هذا المبحث ببيان وجوه البركة في ذكر الله سبحانه وتعالى..
فمن البركات الدنيوية ما يأتي:
1 - اطمئنان القلب وزوال الخوف عنه كما قال تعالى:﴿ إلا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾. الرعد 28
2 - الذكر يعطى الذاكر قوة حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لا يطيق فعله بدونه وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة وعليا رضي الله تعالى عنهما أن يسبحا كل ليلة إذا أخذا مضاجعهما ثلاثا وثلاثين ويحمدا ثلاثا وثلاثين ويكبرا أربعا وثلاثين لما سألته الخادم وشكت إليه ما تقاسيه من الطحن والسعي والخدمة فعلمها ذلك وقال فهو خير لكما من خادم
(انظر الحديث في صحيح البخاري 4 / 208 كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باب مناقب علي بن أبي طالب رضي الله عنه وصحيح مسلم 4 / 2091 كتاب الذكر باب التسبيح أول النهار وعند النوم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه) فقيل أن من داوم على ذلك وجد قوة في بدنه مغنية عن خادم (الوابل الصيب لابن القيم ص 164 - 165 باختصار) وذكر ابن القيم رحمه الله أن كلمة لا حول ولا قوة إلا بالله لها تأثير عجيب في معاناة الأشغال الصعبة وتحمل المشاق وأورد شواهد على ذلك (انظر المرجع السابق ص 165 - 167)
3 - من منافع الاستغفار الدنيوية ما جاء في قول الله تعالى في سورة نوح: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارا 10 يرسل السماء عليكم مدرارا 11 ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم إنهارا﴾. نوح 12 وقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا ورزقه من حيث لا يحتسب (أخرجه أبو داود في سننه 2/178 كتاب الصلاة باب في الاستغفار وابن ماجة في سننه 2/1254 كتاب الأدب باب الاستغفار)
4- من بركات الذكر الدنيوية الرقية باسم الله تعالى وبالأذكار الشرعية للاستشفاء والعلاج ولأهمية هذه المسألة فسأفرد لها مبحثا مستقلا يلي المبحث الثاني تحت عنوان الرقية بذكر الله تعالى وبالقرآن الكريم.