وقال بعض الناس أن لم تستأذن البكر ولم تزوج فاختارت رجل فأقام شاهدي زور.....

يُعَدُّ كتاب صحيح البخاري أصحَّ الكتب بعد كتاب الله تعالى عند أهل السنة، وقد اعتنى العلماء ببيان مقاصده وأبوابه، خاصة في المواضع التي قد يلتبس فهمها على بعض الناس. ومن ذلك ما أورده الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في كتاب الحيل عند حديث: «لا تُنكح البكر حتى تُستأذن…»، ثم قوله: «وقال بعض الناس…»، حيث نقل قولًا منسوبًا إلى بعض الفقهاء في مسألة إقامة شاهدي زور لإثبات نكاح بغير إذن البكر.

وقد استغل بعض الطاعنين هذا الموضع للطعن في الإمام أبو حنيفة النعمان، زاعمين أن المراد بـ«بعض الناس» هو أبو حنيفة، وإنه يجيز مثل هذا النكاح، وهو فهم مجتزأ لا يراعي سياق التبويب ولا طريقة البخاري في التصنيف.

والمقصود من هذا المقال بيان حقيقة المسألة علميًا، وشرح مراد الإمام البخاري، ونقل كلام العلماء في ذلك، وعلى رأسهم الإمام بدر الدين العيني في عمدة القاري، مع توضيح أن الكلام المنقول ليس حديثًا عن النبي ﷺ، وإنما هو نقل فقهي أورده البخاري على سبيل الرد والإنكار

قال الإمام البخاري:

" 6968 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبراهيم، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أبي كَثِيرٍ، عَنْ أبي سَلَمَةَ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لاَ تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، وَلاَ الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأمر» فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: «إذا سَكَتَتْ» وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: " أن لَمْ تُسْتَأْذَنِ البِكْرُ وَلَمْ تَزَوَّجْ، فَاحْتَالَ رَجُلٌ، فَأَقَامَ شَاهِدَيْ زُورٍ: إنه تَزَوَّجَهَا بِرِضَاهَا، فَأَثْبَتَ القَاضِي نِكَاحَهَا، وَالزَّوْجُ يَعْلَمُ أن الشَّهَادَةَ بَاطِلَةٌ، فَلاَ بَأْسَ أن يَطَأَهَا، وَهُوَ تَزْوِيجٌ صَحِيحٌ "

صحيح البخاري - كتاب الحيل باب النكاح - ج 9 ص 25

إن الكلام الذي نقله الإمام البخاري ليس حديثا عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وانما قال عن بعض الناس والمراد ببعض الناس الإمام أبو حنيفة، وقد ذكر الإمام البخاري هذا الكلام من باب التشنيع والاستهجان، وذلك لإنه صدر الحكم بحديث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بقوله لاَ تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، ثم نقل بعد ذلك قول بعض الناس الذين قالوا بالقياس في مثل هذه الامور وشنع عليهم، قال الإمام العيني: " وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إذا لَمْ تُسْتأذَنِ البِكْرُ ولَمْ تُزَوَّجْ فاحْتال رجُلٌ فأقامَ شاهِدَيْ زُورٍ إنه تَزَوَّجَها بِرِضاها، فأثْبَتَ القاضِي نِكاحَها، والزَّوْجُ يَعْلَمُ أن الشهادَةَ باطِلةٌ فَلا بأسَ أن يَطأها، وهْوَ تَزْويجٌ صَحِيحٌ.

أَرَادَ بِهِ أيضًا أبا حنيفَة، وَأَرَادَ بِهِ التشنيع عَلَيْهِ، وَلَا وَجه لَهُ فِي ذكره هَاهُنَا "

عمدة القاري – بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى الحنفى العينى – ج 24 ص 116