شبهة استقبال قبر الرسول
دحض شبهة استقبال قبر النبي ﷺ واستعمال حديث مالك
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
انتشرت بين بعض الفرق المتشددة والمتمثلة في الصوفية شبهة تتعلق بجواز الطلب والاستغاثة بالنبي ﷺ وهو في قبره الشريف، مستندين في ذلك إلى ما ورد عن الإمام مالك مع الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور. وتدّعي هذه الفرق استحسان التصرف في مواجهة قبر النبي ﷺ واستحضاره كوسيلة للتقرب إلى الله.
غير أن هذه الرواية مكذوبة وضعيفة سندًا ومتناً، كما بيّنه علماء الحديث، لا سيما الإمام ابن عبد الوهاب في كتابه "الفتاوى"، حيث أوضح أن محمد بن حميد الرّازي لم يلتقِ بالإمام مالك، وأن الرواية مرسلة ومنقطعة، مع وجود ضعف واضح في الرواة الذين نقلوها، مما يجعلها غير معتبرة شرعًا. كما أن الأصل في المسألة أن حرمة النبي ﷺ ميتًا كحرّيته حيًا، فلا يجوز استحضاره بطلب أو سؤال، وإنه لا يُستدل على هذه الأفعال إلا بروايات موضوعة وموضوعات لا تصح.
المقال يوضح هذه الشبهة ويفندها بالأدلة العلمية من كتب الفقه وعلوم الحديث، مؤكداً أن رواية مالك عن استقبال قبر النبي ﷺ لا أصل لها، وأن الاستناد إليها لتبرير طلب أو استغاثة بعد الموت باطل شرعًا.
يستدل الصوفية لجواز الطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قبره الشريف، بما رواه القاضي عياض رحمه الله في كتابه " الشفا " (2/595 – 596) بسنده: حدثنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الأشعري، وأبو القاسم أحمد بن بَقِي الحاكم، وغير وأحد، فيما أجازُونيه؛ قالوا: أنبأنا أبو العباس أحمد بن عمر بن دِلهات؛ قال: حدثنا أبو الحسنعلي بن فِهر، حدثنا أبو بكر محمد بن الفرج، حدثنا أبو الحسن بن المُنتاب، حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا ابن حميد قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في المسجد، فإن الله تعالى أدب قوماً فقال: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 2]
ومدح قوما فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: 3].
وذم قوما فقال: ﴿ أن الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُون﴾ [الحجرات: 4].
وإن حرمته ميتاً كحرمته حياً. فاستكان لها أبو جعفر، وقال: يا أبا عبد الله؛ أأستقبل القبلة وأدنو أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله تعالى إلى يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به، فيشفعك الله؛ قال تعالى: ﴿ وَلَوإنهمْ إذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 64]. اهـ
وهذه القصة لا تصح لعدة أمور، منها:
من جهةِ السندِ: قال في " الفتاوى " (1/228):
فَهَذَا كُلُّهُ نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِ مَالِكٍ الْمَعْرُوفَةِ ثُمَّ ذَكَرَ حِكَايَةً بِإسناد غَرِيبٍ مُنْقَطِعٍ رَوَاهَا عَنْ غَيْرِ وَأحد إجَازَةً... فذكرها بسندها عن القاضي عياض، ثم قال: قُلْت: وَهَذِهِ الْحِكَايَةُ مُنْقَطِعَةٌ؛ فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ حميد الرَّازِيَّ لَمْ يُدْرِكْ مَالِكًا، لَا سِيَّمَا فِي زَمَنِ أبي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، فَإِنَّ أبا جَعْفَرٍ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ،وَتُوُفِّيَ مَالِكٌ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ. وَتُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ حميد الرازي سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَلَدِهِ حِينَرَحَلَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إلا وَهُوَ كَبِيرٌ مَعَ أبيهِ، وَهُوَ مَعَ هَذَا ضَعِيفٌ عِنْدَأَكْثَرِ أهل الْحَدِيثِ، كَذَّبَهُ أبو زُرْعَةَ، وَمحمد بن مسلم بْنُ وارة.
وَقَالَ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأسدي:
مَارَأَيْت أحدا أَجْرَأَ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ وَأَحْذَقَ بِالْكَذِبِ مِنْهُ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَبِيبَةَ: كَثِيرُ الْمَنَاكِيرِ.
وَقَالَ النسائي: لَيْسَ بِثِقَةِ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: يَنْفَرِدُ عَنْ الثِّقَاتِ بِالْمَقْلُوبَاتِ.
وقال ابن خراش: حدثنا ابن حميد،وكان والله يكذب!
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: فرأيت بعد ذلك أبي إذا ذكر ابن حميد: نفض يده!
وَآخِرُ مَنْ رَوَى الْمُوَطَّأَ عَنْ مَالِكٍ هُوَ أبو مُصْعَبٍ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ.
وَآخِرُ مَنْ رَوَى عَنْ مَالِكٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ هُوَ أبو حُذَيْفَةَ أحمد بْنُ إسْمَاعِيلَ السَّهْمِيُّ تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَفِي الْإسناد أيضًا مَنْ لَا تُعْرَفُ حَالُهُ.ا.هـ
وقال أيضًا في " الفتاوى " (1/225):
وَكَذَلِكَ مَنْ نَقَلَ عَنْ مَالِكٍ إنه جَوَّزَ سُؤَالَ الرَّسُولِ أَوْ غَيْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ أَوْ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ إمام مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ - غَيْرِ مَالِكٍ - كَالشَّافِعِيِّ وَأحمد وَغَيْرِهِمَا فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ بَعْضُ الْجُهَّالِ يَنْقُلُ هَذَا عَنْ مَالِكٍ، وَيَسْتَنِدُ إلى حِكَايَةٍ مَكْذُوبَةٍ عَنْ مَالِكٍ... وَأَصْلُهَا ضَعِيفٌ.ا.هـ.
وقال أيضًا في " الفتاوى " (1/353): وَالْحِكَايَةُ الَّتِي تُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ إنه قَالَ لِلْمَنْصُورِ لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْحُجْرَةِ فَأمرهُ بِذَلِكَ، وقال: " هُوَ وَسِيلَتُك وَوَسِيلَةُ أبيك آدَمَ " كَذِبٌ عَلَى مَالِكٍ، لَيْسَ لَهَا إسناد مَعْرُوفٌ.