الذكر من أعظم القربات التي يقرب بها العبد إلى الله سبحانه وتعالى، وهو يشمل قلب المسلم ولسإنه معًا، فإن كان الذكر متحققًا في القلب واللسان معًا، ورافقه استحضار معنى التعظيم والتنزيه لله تعالى، ازداد كماله وأثمر معرفة ومحبة ومراقبة لله، ودفع عن العبد وساوس الشيطان.
وقد صنف العلماء الذكر وفق أقسام محددة لتحقيق أقصى أثر روحي، بدءًا من ذكر أسماء الله وصفاته، مرورًا بذكر أوأمره ونواهيه، وانتهاءً بذكر آلائه وإنعامه على عباده. ويبرز فضل الذكر في جميع أوقات العبد، سواء كان في الصلاة، أو خارجها، وفي الأذكار اليومية الصباحية والمسائية، والأذكار عند النوم والاستيقاظ، والإذان والحج والركوب واللباس، وكل حال من أحوال المسلم.
ويبين هذا المقال أنواع الذكر وفوائده الروحية والعملية، مستندًا إلى أقوال الإمام ابن القيم رحمه الله في الوابل الصيب، والإمام النووي في الأذكار، مع بيان الحكم الشرعي لكل نوع من أنواع الذكر، وأهمية الجمع بين ذكر القلب واللسان والعمل الصالح لتحقيق أعلى درجات القرب من الله سبحانه وتعالى.
ذكر الله:
ذكر الله سبحانه وتعالى يكون بالقلب ويكون باللسان والأفضل منه ما كان بالقلب واللسان جميعا (قال ابن حجر رحمه الله فإن انضاف إلى ذلك استحضار معنى الذكر وما اشتمل عليه من تعظيم الله تعالى ونفي النقائص عنه ازداد كمالا فإن وقع ذلك في عمل صالح مما فرض من صلاة أو جهاد أو غيرهما ازداد كمالا فإن صحح التوجه وأخلص لله تعالى في ذلك فهو أبلغ في الكمال فتح الباري 11/209) فإن اقتصر على أحدهما فالقلب أفضل (من كتاب الأذكار للنووي ص 6) لأن ذكر القلب يثمر المعرفة ويثير المحبة والحياء ويبعث على المخافة ويدعو إلى المراقبة (الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب للإمام ابن القيم ص 190)
أنواع الذكر:
أنواع الذكر ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه الوابل الصيب عند بيان أنواع الذكر ما يأتي الذكر نوعان أحدها ذكر أسماء الرب تبارك وتعالى وصفاته والثناء عليه بها وتنزيهه وتقديسه عما لا يليق به تبارك وتعالى وهذا أيضًا نوعان أحدهما إنشاء الثناء عليه بها من الذكر وهذا النوع هو المذكور في الأحاديث نحو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده ولا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ونحو ذلك فأفضل هذا النوع أجمعه للثناء وأعمه نحو سبحان الله عدد خلقه فهذا أفضل من مجرد سبحان الله وقولك الحمد لله عدد ما خلق في السماء وعدد ما خلق في الأرض وعدد ما بينهما وعدد ما هو خالق أفضل من مجرد قولك الحمد لله ثم استشهد على هذا ببعض الأحاديث الشريفة ثم قال النوع الثاني الخبر عن الرب تبارك وتعالى بأحكام أسمائه وصفاته نحو قولك الله عز وجل يسمع أصوات عباده ويرى حركاتهم ولا تخفى عليه خافية من أعمالهم وهو أرحم بهم من آبائهم وأمهاتهم وهو على كل شيء قدير ونحو ذلك ثم قال رحمه الله وأفضل هذا النوع الثناء عليه بما أثنى به على نفسه وبما أثنى به عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تشبيه ولا تمثيل ثم ذكر فروعا أخرى لهذا النوع ثم قال والنوع الثاني من الذكر ذكر أمره ونهيه وأحكامه وأيضًا نوعان أحدهما ذكره بذلك إخبارا عنه بإنه أمر بكذا ونهى عن كذا وأحب كذا وسخط كذا ورضي كذا والثاني ذكره عند أمره فيبادر إليه وعند نهيه فيهرب منه وقال أيضًا ومن ذكره سبحانه وتعالى ذكر آلائه وإنعامه وإحسإنه وأياديه ومواقع فضله على عبيده فهذه خمسة أنواع
(الوابل الصيب ص 187 - 190 بتصرف واختصار)
والحاصل:
أن ذكر الله تعالى يتنوع إلى ذكر أسمائه تعالى وصفاته إنشاء أو خبرا وذكر أمره ونهيه وأحكامه قولا أو عملا وذكر إنعامه وإحسإنه على خلقه فيمكن إذن طلب البركة بقسميها عن طريق هذه الأنواع ونحوها وقد أرشدنا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى صيغ الذكر والأوراد التي يشرع قولها وهي إما مطلقة أو مقيدة بمحل أو زمان أو مكان كالأذكار المشروعة في الصلاة أو بعدها والإذان والحج ومختلف العبادات ومثل أذكار اليوم والليلة وهي مشهورة كأذكار الصباح والمساء والنوم والركوب واللباس ونحو ذلك وكذا الأمور العارضة المختلفة وسائر أحوال المسلم وصيغ الأذكار موجودة في كتب السنة وأفردها بعض العلماء في كتب مستقلة من أشهرها وأوفاها كتاب الأذكار للإمام النووي رحمه الله تعالى وأما حكم هذه الأذكار فيختلف فمنها ما هو واجب كبعض أذكار الصلاة مثل التسبيح في الركوع أو السجود وغير ذلك مما لا يخفى ومنها ما هو سنة وهذا الصنف أكثر من الأول..