الرقية الشرعية من العبادات المشروعة التي تتعلق بالشفاء وحماية النفس من الأمراض والأذى، وقد أقرها الإسلام بشرط أن تكون وفقًا للضوابط الشرعية، فلا تُشرع إلا بما هو مشروع: كالرقى بالقرآن الكريم، أو بأسماء الله تعالى وصفاته، أو بالأذكار المشروعة. وقد أجمع العلماء على جواز الرقية في هذه الحدود، مع ضرورة أن تكون باللغة العربية أو بما يُعرف معناه من غيرها، وأن يُعتقد إنها سبب لا تأثير لها إلا بتقدير الله تعالى.

وقد بينت الأحاديث الصحيحة أن الرقية لا تُنهى إذا لم يكن فيها شرك بالله تعالى، بل هي مستحبة، ومن أمثلة الرقى الصحيحة ما يتعلق بالعين والحمة والنملة، وما يترتب عليها من بركة وفائدة للعبد. ومن المهم التمييز بين الرقية المشروعة وبين ما يُشرك فيه بالرقى مثل التمائم والتولة، والتي تُعد شركًا محظورًا.

يهدف هذا المقال إلى توضيح حكم الرقية وشروطها، وكيفية إجرائها بما يوافق السنة النبوية، مستندًا إلى أقوال العلماء مثل ابن القيم والنووي والخطابي، وشواهد من صحيح البخاري ومسلم وكتب الحديث والفقه.

حكم الرقية وشروطها

 تشرع الرقية بالقرآن الكريم أو بأسماء الله تعالى وصفاته أو بالأذكار المشروعة وقد أجمع العلماء على جواز الرقية إذا كانت على الوجه المذكور آنفا بشرط أن تكون باللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره وأن يعتقد أن الرقية سبب لا تأثير له إلا بتقدير الله تعال.

(انظر شرح السنة للبغوي 12/159 فتح البارى لابن حجر 10/591 وانظر مجلة البحوث الإسلامية الصادرة في الرياض عدد 12 ص 101)

الرقى الجائزة:

ومما يدل على جواز الرقية بشروطها قول الرسول صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الرقى اعرضوا علي رقاكم لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك (صحيح مسلم 4 / 1727 كتاب السلام باب لا بأس بالرقي ما لم يكن فيه شرك عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه) أخرجه مسلم.

الرقى المنهي عنها:

 والرقى المنهي عنها الموصوفة بكونها شركا كما جاء في حديث أن الرقى والتمائم (التمائم جمع تميمة وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين لزعمهم من كتاب شرح السنة للبغوي 12/158 وكتاب النهاية لابن الأثير 1 / 197 وقال مؤلف تيسير العزيز الحميد الصحيح أن ما علق لدفع العين وغيرها فهو تميمة من أي شيء كان انظر ص 112-113 من ذلك الكتاب)

 والتولة:

 (التولة شيء يصنعونه يزعمون إنه يحبب المرأة إلى زوجها والزوج إلى أمرأته كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص 30 وهو ضرب من السحر شرح السنة للبغوي 12/158 وانظر الترغيب والترهيب للمنذري 4/310) شرك (أخرجه أبو داود في سننه 4/212 كتاب الطب باب في التمائم وابن ماجة في سننه 2 / 1166 كتاب الطب باب تعليق التمائم وابن حبان في صحيحه 7/630 كتاب الرقى والتمائم والإمام أحمد في مسنده 1 / 381 والحاكم في المستدرك 4/217 وقال حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي ورمز له السيوطي بإنه صحيح الجامع الصغير 1/80 وانظر للمزيد من معرفة تخريج هذا الحديث كتاب النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد ص 59- 60

وقد روى الحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وفيه قصة) هي ما تحتوي على الشرك بالله تعالى من دعاء غير الله أو الاستغاثة والاستعاذة به كالرقى بأسماء الملائكة أو الأنبياء أو الجن ونحو ذلك أما الرقى بالقرآن الكريم أو أسماء الله تعالى وصفاته ودعائه والاستعاذة به وحده لا شريك له فليست شركا بل ولا ممنوعة بل مستحبة 4 أو جائزة.

(قال الخطابي رحمه الله ما كان من الرقى مفهوم المعنى وكان فيه ذكر الله تعالى فإنه مستحب متبرك به معالم السنن للخطابي شرح سنن أبي داود 4/212 وقال النووي رحمه الله الرقى بآيات القرآن وبالأذكار المعروفة لا نهي فيه بل هو سنة شرح النووي لصحيح مسلم 14/169)

دلالة استحباب الرقية:

ومما يدل على استحباب الرقية قوله عليه الصلاة والسلام لما سئل عن الرقى من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل (تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ص 135 بتصرف)

لا شك أن في رقيا المسلم أخاه إحسانا إليه ونفعا ظاهرا كما أن رقيته نفسه نافعة فتشرع الرقية الإلهية لكل شكوى من الأمراض والآفات وأما حديث عمران بن حصين (أخرجه مسلم في صحيحه 4 / 1726 كتاب السلام باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة عن جابر بن عبد الله عنه)

لا رقية إلا من عين:

 (العين إصابة العائن غيره بعينه يقال للمصاب معين من كتاب النهاية لابن الأثير 3/332 ولمعرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في لاج المصاب بالعين انظر كتاب الطب النبوي لابن القيم ص 127 - 136)

أو حمة:

 (الحمة سم ذوات السموم وقد تسمى إبرة العقرب والزنبور حمة لأنها مجرى السم معالم السنن للخطابي 4/213) (أخرجه أبو داود في سننه 4/213 كتاب في الطب باب في التمائم والترمذي في سننه 4/394 كتاب الطب باب ما جاء في الرخصة في الرقية والإمام أحمد في مسنده 4/436 وأخرجه عن بريدة بن الحصيب مرفوعا ابن ماجة في سننه 2/1161 كتاب الطب

باب ما رخص فيه من الرقي:

وعن بريدة موقوفا الإمام مسلم في صحيحه 1/99 كتاب الإيمان باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب) فأجيب بأن معنى الحصر فيه إنهما أصل كل ما يحتاج إلى الرقية فيلتحق بالعين جواز رقية من به خبل أو مس ونحو ذلك لاشتراكها في كونها تنشأ عن أحوال شيطانية من إنسي أو جني ويلتحق بالسم كل ما عرض للبدن من قرح ونحوه من المواد السمية وقد وقع عند أبي داود في حديث أنس رضي الله عنه مثل حديث عمران وزيادة أو دم (انظر سنن أبي داود 4/216 كتاب الطب باب ما جاء في الرقي وقد أخرجه أيضًا الحاكم في المستدرك 4/413 وقال حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه).

وفي صحيح مسلم عن أنس أيضًا قال رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقية من العين والحمة والنملة (النملة قروح تخرج في الجنب النهاية لابن الأثير 5 / 120 سمي هذا الداء نملة لأن صاحبه يحس في مكانه كان نملة تدب عليه وتعضه الطب النبوي لابن القيم ص 144) (صحيح مسلم 4/1725 كتاب السلام باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة).

ويدل على ذلك أيضًا سائر أحاديث الرقى الخاصة والعامة (فتح الباري 10/196 بتصرف) وقيل المراد بالحصر معنى الأفضل أي لا رقية أنفع وأولى منها في العين والحمة وليس المراد نفي جواز الرقية في غيرهما (انظر المرجع السابق 10/196 وانظر شرح السنة للبغوي 12/162 الطب النبوي لابن القيم ص 137) ولأجل أن تتضح صفة الرقية الشرعية وكيفيتها سأذكر الآن نماذج للرقى بذكر الله تعالى ثم للرقى بالقرآن الكريم استنادا على النصوص الصحيحة من السنة النبوية.