تسعى بعض فرق الضلال، وعلى رأسها الرافضة، إلى نشر أحاديث وروايات باطلة لتشويه سمعة الصحابة رضي الله عنهم وإثارة الشبهات حولهم. ومن أبرز هذه الشبهات قصة عبيد الله بن جحش وزوجته أم حبيبة رضي الله عنها، وزعم ردته وتنصره في أرض الحبشة. يوضح هذا المقال حقيقة الروايات، ويفنّد الأخبار المرسلة والموضوعة، ويبين الأدلة التي تجعل من هذه الشبهة غير صحيحة، مؤكداً أن الصحابة السابقين الأولين كانوا ثابتين على دين الإسلام ولا يُتصور ارتدادهم.

قال ابن إسحاق في ذكر بعض من اعتزل عبادة قريش للأصنام:

 «وهم ورقة بن نوفل وعبيد الله بن جحش وعثمان ابن الحويرث وزيد بن عمرو بن نفيل فقال بعضهم لبعض: تعلمون والله ما قومكم على شيء لقد أخطؤوا دين أبيهم إبراهيم، ما حجر نطيف بــه لا يسـمع ولا يبـصر ولا يضـــرّ ولا ينفع؟! التمسوا لأنفسكم فإنكم والله ما أنتم على شيء. فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية، دين أبيهم إبراهيم، فأما ورقة بن نوفـل فاستحـكم في النصـرانيــة. وأمـا عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان مسلمة، فلما قدمها تنصّر وفارق الإسلام حتى هلك هناك نصرانياً».

ثم قال ابن إسحاق:

 «فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: كان عبيد الله بن جحـش حين تنصَّر يمر بأصحاب رسول الله e وهم هنالك من أرض الحبشة فيقول: فقّحنا وصأصأتم؛ أي أبصرنا، وأنتم تلتمسون البصر ولم تبصروا بعد» (الروض الأنف (2/347).

وأصح ما ورد في روايات ردة عبيد الله بن جحش وتنصره رواية مرسلة، والمراسيل لا تقوم بها حجة. وسوف أترك بين يدي القارئ بحثا قيام للأخ الفاضل محمد العوشن الذي قدم بحثا في هذا الموضوع.

 فقال ما نصه:

«وشيخ ابن إسحاق هنا محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، مات سنة بضع عشرة ومائة، من الطبقة السادسة، وهي طبقة لم يثبت لأحد منها لقاء أحد من الصحابة، فالخبر مرسل.

ثم ذكره ـ ابن إسحاق ـ في قدوم جعفر بن أبي طالب من الحبشة فقال: «حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة قال: «خرج عبيد الله بن جحش مع المسلمين مسلماً، فلما قدم أرض الحبشة تنصَّر، قال: فكان إذا مر بالمسلمين...» (الروض الأنف6/538). وذكر نحو ما سبق.

وهذا سند صحيح لكنه مرسل، وهو أصحّ ما ورد في تنصُّر عبيد الله بن جحش.

قال الشيخ محمد بن عبد الله العوشن: 

«اشتهر في كتب السيرة أن عبيد الله بن جحش قد تنصّر في أرض الحبشة، وكان قد هاجر إليها مع زوجه أم حبيبة - رضي الله عنها -؛ فهل ثبتت ردّته بسند صحيح»؟

 أضاف:

«وذكره أيضاً في تزوج النبي e أم حبيبـة رضي الله عنها فقال: «ثم تزوج رسول الله e بعد زينب أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت قبله عند [عبيد الله] بن جحش.. فمات عنها بأرض الحبشة، وقد تنصر بعد إسلامه» (سيرة ابن إسحاق ص241). والخبر هنا بدون إسناد.

وروى القصة ابن سعد في (الطبقات8/97) فقال «أخبرنا محمد بن عمر حدثنا عبد الله بن عمرو بن زهير عن إسماعيل بن عمرو بن سـعيد بن العاص قال: قالت أم حبيـبة: رأيت في النـوم عبيد الله بن جحش زوجي بأسوأ صورة وأشوهها، ففزعت فقلت: تغيرتْ والله حاله! فإذا هو يقول حيث أصبح: يا أم حبيبة! إني نظرت في الدين فلم أرَ ديناً خيراً من النصرانية، وكنت قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد، ثم قد رجعت إلى النصرانية. فقلت: والله! ما خير لك. وأخبرتُه بالرؤيا التي رأيت له فلم يحفل بها، وأكبّ على الخمر حتى مات» ( طبقات ابن سعد8/ 97).

ورواه أيضاً في ذكر عدد أزواج النبي e فقال عند ذكر أم حبيبة رضي الله عنها «وكانت قبل رسول الله e عند عبيد الله بن جحش، وكان قد أسلم وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم ارتد، وتنصّر، فمات هناك على النصرانية» (طبقات ابن سعد 8/ 218).

وشيخ ابن سعد في الخبرين هو الواقدي، وهو متروك على سعة علمه.

قلت: هذا ما قاله الحافظ في (التقريب1/498).

ورواه الحاكم في «المستدرك» عن الزهري مرسلاً، وفيه:

«ثم افتتن وتنصّر فمات وهو نصراني، وأثبت الله الإسلام لأم حبيبة، وأبت أن تتنصّر» (المستدرك4/21).

ورواه موصولاً من طريق الواقدي، وفيه رؤيا أم حبيبة (طبقات ابن سعد 4/22). كرواية ابن سعد. «ومراسيل الزهري ضعيفة» قاله الحافظ في (التلخيص الحبير4/111).

قال الذهبي «قال يحيى بن سعيد القطان: مرسل الزهري شرّ من مرسل غيره؛ لأنه حافظ، وكل ما قَدرَ أن يُسمّي سَمّى، وإنما يترك من لا يحب أن يسميه».

وقال أيضا: «مراسيل الزهري كالمعضل لأنه يكون قد سقط منه اثنان، ولا يسوغ أن نظن به أنه أسقط الصحابي فقط، ولو كان عنده عن صحابي لأوضحه، ولما عجز عن وصله، ومن عدّ مرسل الزهري كمرسل سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ونحوهما فإنه لم يدر ما يقول، نعم كمرسل قتادة ونحوه» (سير أعلام النبلاء5/338).

وروى الخبر الطبري في تاريخه:

 في «ذكر الخبر عن أزواج رسول الله) عن هشام بن محمد مرسلاً، وفيه عند ذكر أم حبيبة: «فتنصّر زوجها وحاولها أن تتابعه فأبت، وصبرت على دينها، ومات زوجها على النصرانية» (تاريخ الطبري2/213).

والخبر فضلاً عن إرساله فإنه عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي وهو رافضي متروك، قال الإمام أحمد «إنما كان صاحب سمر ونسب، ما ظننت أن أحداً يحدِّث عنه» (لسان الميزان6/196) ونقله ابن الأثير عن ابن الكلبي أيضاً (الكامل في التاريخ2/210).

ورواه البيهقي في «الدلائل» من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة قال: «ومن بني أسد بن خزيمة: عبيد الله بن جحش مات بأرض الحبشة نصرانياً ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها رملة، فخلف عليها رسول الله e أنكحه إياها عثمان بن عفان بأرض الحبشة» (دلائل النبوة3/460).

والخبر فيه علتان:

 الإرسال وضعف ابن لهيعة. والمتن فيه غرابة. قال ابن كثير «وأما قول عروة إن عثمان زوّجها منه فغريب لأن عثمان كان قد رجع إلى مكة قبل ذلك ثم هاجر إلى المدينة وصحبته زوجته رقية» (البداية والنهاية4/143).

وعبيد الله بن جحش لم يترجم له ابن عبد البر في «الاستيعاب» ولا ابن الأثير في «أُسد الغابة» ولا ابن حجر في «الإصابة»، وفي ترجمة أخيه عبد الله في «الإصابة» لم يذكر ابن حجر شيئاً. أما ابن عبد البر فقد قال في «الاستيعاب» في ترجمة عبد الله «وكان هو وأخوه أبو أحمد عبد بن جحش من المهاجرين الأولين ممن هاجر الهجرتين، وأخوهما عبيد الله بن جحش تنصّر بأرض الحبشة، ومات بها نصرانياً، وبانت منه امرأته أم حبيبة» (الاستيعاب (بهامش الإصابة، 2 / 263). وكذا ذكر ابن الأثير في ترجمة.

 وفي ترجمة أم حبيبة في «الإصابة»

 قال ابن حجر:

«ولما تنصر زوجها عبيد الله، وارتد عن الإسلام فارقها، فأخرج ابن سعد من طريق إسماعيل بن عمرو بن سعيد الأموي قال...» (الإصابة4/299). وذكر القصة التي رواها ابن سعد عن الواقدي، وسبقت.

ولم يذكر الحافظ تنصّر عبيد الله بل قال: «هاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش هناك، ومات، فتزوجها رسول الله e وهي هناك، سنة ست وقيل سنة سبع» (تهذيب التهذيب12/419).

وقال الذهبي في «السير» في ترجمة أم حبيبة «ابن سعد أخبرنا الواقدي أخبرنا.. »، وذكر رؤياها وردّة زوجها ثم قال الذهبي «وهي منكرة» (سير أعلام النبلاء2/221). ولم يبيّن وجه النكارة.

 ومما يرجّح أن خبر ردته غير صحيح أن الروايات الصحيحة في نكاحه e بأم حبيبة لم تذكر شيئاً من ذلك. فقد روى الإمام أحمد بسند صحيح من طريق الزهري عن عروة عن أم حبيبة «أنها كانت تحت عبيد الله ابن جحش وكان أتى النجاشي فمات وأن رسول الله e تزوج أم حبيبة وهي بأرض الحبشة زوّجها إياه النجاشي وأمهرها أربعة آلاف» (الفتح الرباني16/170). ورواه أبو داود (كتاب النكاح باب الصداق رقم 2093 عون المعبود6/137 والنسائي كتاب النكاح القسط في الصدقة 6/119 وصححه الألباني كما في صحيح النسائي2/705).

 مما سبق يتبين والله أعلم أن قصة ردة عبيد الله بن جحش لم تثبت لعدة أدلة منها:

1- أنها لم تُروَ بسند صحيح متصل، فالموصول من طريق الواقدي. والمرسل جاء عن عروة بن الزبير، ولا يمكن أن نحتج بالمرسل (عند من يرى الاحتجاج به) في مسألة كهذه؛ فيها الحكم على أحد السابقين الأولين رضي الله عنهم بالردة.

2 - أن الروايات الصحيحة في زواجه e بأم حبيبة لم تذكر ردة زوجها السابق كما في الرواية السابقة عند أحمد وأبي داود، والنسائي.

 3 - أنه يبعد أن يرتد أحد السابقين الأولين للإسلام عن دينه، وهو ممن هاجر فراراً بدينه مع زوجه، إلى أرض بعيدة غريبة. خاصة أن عبيد الله بن جحش ممن هجر ما عليه قريش من عبادة الأصنام والتماسه مع ورقة وغيره الحنيفية كما في رواية ابن إسحاق (بدون سند) الواردة أول هذا البحث وفي رواية ابن سعد (عن الواقدي) أنه كان قد دان بالنصرانية قبل الإسلام. ومعلوم أن البشارة ببعثة الرسول e كانت معروفة عند أهل الكتاب من يهود ونصارى فكيف يُتصور من رجل يترقب الدين الجديد أن يعتنقه ثم يرتد عنه لدين منسوخ؟ كما أن زواج النبي e بأم حبيبة كان في سنة ست وقيل سبع، وردة عبيد الله المزعومة قبل ذلك بمدة، وهي مرحلة كان الإسلام قد علا فيها وظهر حتى خارج الجزيرة العربية، بل أصبح هناك من يُظهر الإسلام ويُبطن الكفر كحال المنافقين.

4 - في حوار هرقل مع أبي سفيان وكان إذ ذاك مشركاً أنه سأله ضمن سؤالاته «هل يرتد أحدٌ منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فأجاب أبو سفيان: لا».

ولو كان عبيد الله قد تنصّر لوجدها أبو سفيان فرصة للنيل من النبي e ودعوته، كما فعل لما سُئل: «فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها؟ قال: ولم تمكنِّي كلمة أُدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة» (فتح الباري، كتاب بدء الوحي1/42).

ولا يمكن القول بأن أبا سفيان لم يعلم بردّة عبيد الله لو صحت لأنه والد زوجه أم حبيبة.

 وبعد فالمسألة متعلقة بأحد أصحاب رسول الله e بل ومن السابقين الأولين، فإن صحّ السند بخبر ردّته فلا كلام.

أما وإن السند لم يثبت؛ فإن نصوص الشريعة حافلة بالذبّ عن عِرْض المسلم؛ فكيف إذا كان هذا المسلم صحابياً بل ومن السابقين؟! والله أعلم.

قلت: انتهى كلام الشيخ العوشن جزاه الله خيرا وحشره مع أصحاب رسول الله e.