سبحان الله مقلب القلوب (لما رأى النبي زينب تستحم):
رواية منكرة وردّها من السنة وفضح اعتماد الرافضة عليها
اعتمدت الشيعة الرافضة – وهي فرقة ضالة خالفت منهج أهل السنة والجماعة – في طعونها على مقام النبوة على روايات واهية ومنكرة، بل وموضوعة، تُنسب زورًا إلى رسول الله ﷺ، في محاولة للطعن في عصمته وتشويه سيرته العطرة، ثم تُتّخذ ذريعة للتشنيع على الإسلام وفتح أبواب الشبهات للنصارى والملحدين.
ومن أخطر ما يُتداول في هذا الباب رواية تزعم أن النبي ﷺ رأى زينب بنت جحش رضي الله عنها وهي تستحم فقال: «سبحان الله مقلب القلوب»، وأن ذلك كان سبب طلاقها وزواجه منها.
وهذه القصة – بما تحمله من إيحاءات فاسدة – قد ردّها أئمة الحديث والتفسير قديمًا وحديثًا، وحكموا عليها بالنكارة والضعف، بل اعتبروها إساءة صريحة إلى مقام النبوة، لا تصدر إلا عن جاهل بعصمة النبي ﷺ أو مستخفّ بحرمته.
وفي هذا المقال، نعرض الرواية عرضًا علميًا، ونكشف عللها الإسنادية، ونبيّن القول الصحيح في تفسير الآية، ثم نفضح التناقض الرافضي باعتمادهم على هذه الرواية نفسها في تفاسيرهم المعتمدة، مع تصحيح علمائهم لأسانيدها، وما يترتب على ذلك من مفاسد عقدية جسيمة.
نص الرواية:
حدثنا الساجي ثنا الحسن بن علي الواسطي قال ثنا علي بن نوح ثنا محمد بن كثير ثنا سليم مولى الشعبي عن الشعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى زينب بنت جحش فقال سبحان الله مقلب القلوب فقال زيد بن حارثة ألا أطلقها يا رسول الله فقال أمسك عليك زوجك فأنزل الله عز وجل وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك الآية..».
فيه سليم مولى الشعبي:
قال النسائي «ليس بثقة» (الضعفاء للنسائي1/48) وقال يحيى بن معين «ضعيف» (الضغفاء الكبير2/164 الكامل في الضعفاء3/316).
وفيه محمد بن كثير الكوفي وهو أحد ضعفاء الحديث.
قال عنه البخاري «منكر الحديث» (التاريخ الكبير1/217 ترجمة رقم683) وعامة أهل العلم قالوا عنه ذلك وخالف ابن معين الكل في ذلك فحسنه.
وقد رد المحققون من أهل العلم هذه الرواية المنكرة وقال الحافظ في (الفتح8/523) بأنه «لا ينبغي التشاغل بهذه الروايات».
وروى القرطبي:
هذه الروايات ثم أعرض عنها وأكد أن الصحيح من أقوال المفسرين والعلماء الراسخين كالزهري والقاضي بكر بن العلاء القشيري والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم أن المراد بقوله تعالى ﴿وتخشى الناس﴾ إنما هو خوف إرجاف المنافقين بأنه نهى عن تزويج نساء الأبناء وتزوج بزوجة ابنه. ثم قال «فأما ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم هوي زينب امرأة زيد فهذا إنما يصدر عن جاهل بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم أو مستخف بحرمته».
قال ابن العربي:
«فإن قيل لأي معنى قال لـه أمسك عليك زوجك وقد أخبره الله أنها زوجه؟ قلنا: أراد أن يختبر منه ما لم يُعلِمه الله من رغبته فيها أو رغبته عنها فأبدى له زيد من النفرة عنها والكراهة فيها ما لم يكن علمه منه في أمرها».
والثابت في صحيح مسلم خلاف ذلك... «لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد فاذكرها علي قال فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها قال فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها فوليتها ظهري ونكصت على عقبي فقلت يا زينب أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك قالت ما أنا بصانعة شيئا حتي أُوَامِر ربي فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن» (مسلم2/1048 حديث رقم1428).
فالذي رآها هو زيد. بعد انقضاء عدتها. وقد دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذن لأمر الله له بالزواج منها ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ وكانت زينب تقول مفاخرة «زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات» (رواه البخاري6/2699 حديث رقم6984).
وبالمناسبة فقد روى علي القمي الرافضي تلك الرواية المنكرة «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم منزله – يعني زيدا – فإذا زينب جالسة وسط حجرتها فنظر إليها وكانت جميلة حسنة فقال سبحان خالق النور وتبارك الله أحسن الخالقين.. ووقعت زينب في قلبه موقعا عجيبا. المنظر ثم رجع (صلى الله عليه وآله) إلى منزله ووقعت زينب في قلبه وقوعا عجيبا وجاء زيد إلى منزله فأخبرته زينب بما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال لها زيد: هل لك أن اطلقك حتى يتزوجك رسول الله فقالت: أخشى أن تطلقني ولا يتزوجني رسول الله صلى الله عليه وآله فجاء زيد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: بأبي انت وامي يا رسول الله اخبرتني زينب بكذا وكذا فهل لك ان اطلقها حتى تتزوجها؟ فقال رسول الله: لا، إذهب فاتق األله وامسك عليك زوجك، ثم حكى الله فقال: ﴿أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق ان تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها﴾ إلى قوله )وكان امر الله مفعولا} فزوجه الله من فوق عرشه» (تفسير القمي2/172 وانظر بحار الأنوار22:215 للمجلسي تفسير مجمع البيان8/11 التفسير الصافي4/163 تفسير نور الثقلين4/236 للحويزي).
وقد حكم الخوئي بصحة جميع روايات مشايخ القمي في تفسيره (معجم رجال الحديث1/49). فهذه مكافأة خوئية تتزامن مع تميز القمي في الجهر باعتقاد تحريف القرآن. فبما أنه أكثر الناس جهرا بالقول بتحريف القرآن صار أكثر الناس وثاقة عند الخوئي.
وبهذا التوثيق الخوئي تصير هذه الرواية صحيحة الإسناد عند الرافضة.
وهذه الرواية تفتح مجالا للنصارى أن يجعلوها شبيهة برواية كتابهم عن داود أنه رأى امرأة جارة تستحم فأعجبه منظرها ثم تآمر على زوجها (أوريا الحتي) وأمر قائد الجنود أن يكون في مقدمة الجيش عند الحرب وسرعان ما مات فضم داود أرملة جاره المسكين إلى نسائه (صموئيل الثاني 11: 1).
نص الشبهة:
|
يستدل بعض الرافضة ومن تبعهم من المستشرقين برواية تزعم أن النبي ﷺ رأى زينب بنت جحش رضي الله عنها وهي تستحم، فقال: «سبحان الله مقلب القلوب»، وأن ذلك كان سبب طلاقها من زيد بن حارثة وزواجه منها، ويجعلون هذه الرواية تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ﴾. |
الرد على الشبهة:
أولًا: الحكم الحديثي على الرواية
هذه الرواية ضعيفة منكرة، وقد تتابع أئمة الجرح والتعديل على تضعيفها:
◘ سليم مولى الشعبي
◘ قال النسائي: ليس بثقة
◘ وقال يحيى بن معين: ضعيف
◘ محمد بن كثير الكوفي
◘ قال البخاري: منكر الحديث
◘ وعامة أهل العلم على تضعيفه
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري:
◘ «لا ينبغي التشاغل بهذه الروايات»
وهذا حكم قاطع بردّها وعدم الالتفات إليها.
ثانيًا: موقف المفسرين المحققين
أعرض كبار المفسرين عن هذه القصة، ومنهم:
◘ الزهري
◘ القاضي أبو بكر بن العربي
◘ القاضي بكر بن العلاء
◘ القرطبي
وقال القرطبي نصًا:
«فأما ما روي أن النبي ﷺ هوي زينب امرأة زيد، فهذا إنما يصدر عن جاهل بعصمة النبي ﷺ أو مستخف بحرمته».
ثالثًا: التفسير الصحيح للآية
المعنى الصحيح لقوله تعالى: ﴿وتخشى الناس﴾:
◘ خشية كلام المنافقين
◘ وإرجافهم بأن النبي ﷺ نهى عن التزوج بزوجات الأدعياء ثم تزوج بزوجة من كان يُدعى ابنه
وليس في الآية:
◘ هوى محرم
◘ ولا تعلق قلب
◘ ولا نظر محرم
رابعًا: الرواية الصحيحة في صحيح مسلم
الثابت الصحيح أن:
◘ الذي رأى زينب هو زيد بن حارثة
◘ وكان ذلك بعد انقضاء عدتها
◘ والنبي ﷺ لم ينظر إليها أصلًا
قال زيد:
◘ «فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها…»
(صحيح مسلم)
◘ ثم زوّجها الله تعالى من فوق سبع سماوات بنص القرآن:
﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾
خامسًا: الفضيحة الرافضية
العجيب أن هذه الرواية المنكرة نفسها:
◘ رواها علي بن إبراهيم القمي الرافضي
◘ وصحح الخوئي جميع روايات مشايخه
◘ فأصبحت صحيحة الإسناد عند الشيعة
وهم بذلك يفتحون باب التشبيه برواية داود عليه السلام في الكتاب المقدس، ويقدّمون للنصارى مادة للطعن في نبوة محمد ﷺ.