موقف الخميني من الشيعة والتشيع

إن الباحث المتعمق في دراسة مذهبي أهل السنة والجماعة، والشيعة الجعفرية الإمامية، لا بد وأن يصل إلى نتيجة حتمية هي إنه لا يمكن أن يتلاقى المذهبان، ولا يمكن أن يتقاربا، إلا إذا استطعنا أن نجمع بين النقيضينن كالجمع بين الليل والنهار، والفجر والقمر، في أن وأحد.

إذا تقرر هذا عند أهل السنة فانهم لن ينخدعوا بالألفاظ المعسولة الجميلة التي تصدر عن السنة دعاة التشيع تدليسا على أهل السنة ومكرا بهم، كي يدفعوا بهم إلى التشيع وكي يلبسوا عليهم دينهم، أن دعاة التقريب يعلمون إنه لا سبيل التقريب إلا بأن تتحول السنة إلى شيعة، أو الشيعة إلى سنة، ويغير ذلك فلا تقارب ولا تقريب.

وما كنا لتناول هذا الموضوع بالبحث والبيان لولا ما أثير في هذه الأيام من بعض أهل السنة الذين اغتروا بباطل الخميني الذي وصل إلى السلطة فيإيران بعد أن حطم حكومة الشاه، وأقام دولة الشيعية على أشلائها.

وبادئ ذي بدء لسنا مع طاغية إيران الشاه، المخلوع، فإن باطله أشهر من أن يذكر، وضلاله لا يحتاج إلى إقامة الدليل.

ولكننا نرفض فضا قاطعا أن ننحاز إلى باطل في مقابل باطل، فالشاه طاغوت ضال، والحركة التي قلبت كرسيه حركة شيعية، لها عقيدتها الضالة، ومذهبها المنحرف، وفقهها الذي يبنى على الأصول التي ارتضاها أهل السنة والجماعة.

وقد كنا إلى عهد قريب نرى أقواما ينكرون على الشيعة عقيدتهم، فإذا بهم اليوم يزعمون أن الخميني رجل معتدل، وأن الحركة الشيعية في إيران حركة صحيحة قويمة صالحة، جاءت لإقامة حكم سليم، وأخذ هؤلاء المخدوعون من أهل السنة يدعون إلى التضامن مع الشيعة ومناصرتهم وتأييدهم.

وكنا نود أن يكو ظن هؤلاء صائبا صادقا، وأن يكون الخميني شيعيا معتدلا، معتدلا في نظرته إلى الأئمة الإثني عشر، وفي نظرته إلى الخلفاء الراشدين، وفي نظرته إلى حكام الأمة الإسلامية، وإلى الصحابة والسلف الصالح.

ولكن ظن هؤلاء هو مجرد ظن، فالخميني داعية شيعي، غارق في التشيع، ولا نستطيع أن نصفه بالاعتدال.

فهو يرى أن الأئمة الاثني عشر أفضل من الملائكة والأنبياء، والرسل، فضلا عن أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة.

ويروي أن الذين انتزعوا الحكم من الأئمة ظلمة وطغاة، وأن من يستحق الولاية من بعد الأئمة هم فقهاء الشيعة دون سواهم، فلا يجوز أن يتسنم مدة الحكم إلا إمام شيعي أو فقيه شيعي بحفظ نصوص الأئمة وأحاديثهم وأقوالهم.

الخميني يدعو إلى التشيع، ويراه المذهب الحق، ويعتقد عقيدة الشيعة، ومن جملة ذلك! اعتقاده بخرافة غيبة الإمام محمد بن الحسن العسكري، ويرى كما يرى الشيعة، صحة رجعته.

وكنا نود أن لا نكتب في هذا الموضوع، ولكن البيان واجب، ونخشى أن يؤاخذنا الله أن لم نقم بكشف بالباطل ودحضه، وإظهار الحق وإبرازه.

نحن نريد أن لا يمكن للمذهب الشيعي في ديار أهل السنة، فقد تهاون أهل السنة في العراق في مقاومة باطل الشيعة، فكانت النتيجة أن تحولت لأكثرية السنية في العراق إلى أكثرية شيعية.

ومنذ البداية كثر الشيعة عن أنيابهم، فما كادوا يتسلمون زمام الحكم حتى صرح خطيب شيعي في خطبة منقولة من الإذاعة والتلفزيون الإيراني بأنهم قريبا سيفتحون مكة وبغداد وفي الصفحة الأخيرة من كتاب الخميني: الحكومة الإسلامية يقول صلاح خريط في مجلة صوت الخليج " إني أرى الرايات السود قد قرب موعدها ".

قد ينكر المتعاطفون مع الخميني مثل هذه الكلمات، وقد ينتحلون الأعذار بأن قالها، ويقولون: إنه حاقد متعصب، والخميني وجماعته ليسوا كذلك.

ولهؤلاء نقول: طيبوا نفسا، وقروا عينا، فإننا سنقاضي الخميني إلى كتابته المسطرة المنشورة، لن نحسته بكلام خصومة، ولن نحاسبه على أقوال أتباعه، ولن نحاسبه إلى كلامه المنطوق، بل إلى كتاباته المسطرة، والتي نشرها بين صفوف أهل السنة، ليغذيهم بكفره، ويبرر لهم نظرياته، ومذهبه وعقيدته.

فالحركة في إيران ما كادت تتولى دفة الحكم حتى دفعت إلى المطابع في بيروت وفي الكويت بكتاب الخميني" الحكومة الإسلامية " الذي كان قد نشر في العراق سنة 1970 عندما كانت الخلافات مستحكمة بين البعث والشاه. فقد طبعت دار الطليعة في بيروت هذا الكتاب في هذا العام في ربيع الأول 1399ه إذار (مارس) 1979.

وصدرت طبعة أخرى مقاربة لطبعة بيروت أو بعدها بقليل في الكويت نشرتها مطابع صوت الخليج بالذات.

وفي السطر الأول من تعريف الناشر للكتاب في طبعة بيروت يقول: (هذا الكتاب مجموعة من محاضرات آية الله الخميني، قدمته الحركة الإسلامية في إيران تحت عنوان (الحكومة الإسلامية)ص1) (طبعت المطبعة الأولى في النجف في العراق سنة 1970 في خمس كراريس وقد سمحت الحكومة العراقية بنشره عندما كان) من التعريف.

وفي ركن الصفحة الأولى من طبعة الكبت تجد هذا العنوان يصدر الكتاب (الحركة الإسلامية في إيران).

وهذا يدلنا على أن الكتاب مرضى عنه من الخميني نفسه بكل المعلومات التي وردت فيه ومرضى عنه من قبل الحركة في إيران، وليس هناك مجال لرد ما في الكتاب أو التشكيك في الاحتجاج بنصوصه، ومقتضاه الخميني إلى كلامه الذي سطره فيه.

والكتاب وإن كان جملته محاضرات قيلت منذ عشر سنوات، إلا أن هذه المحاضرات كما يقول الناشر (تتيح متابعة أفضل لتطورات الثورة الإيرانية الحالية ولاحتمالات تأثيرها الإيجابي على المنطقة العربية والعالم أجمع) (التعريف ص "ه").

قد ينخدع القارئ الذي لا يتعمق في الدراسة والبحث، عندما يتصفح الكتاب أو يقرأه قراءة عابرة، ذلك أن الخميني منطلق في هذا الكتاب من منطلق إصلاح أوضاع الأمة المتردية بسبب سيطرة الحكام الظلمة على الحكم وهو يريد للمسلمين أن يتحركوا لتغيير الأوضاع. وهذا كلام جميل في ظاهرة، إلا أن الخميني ركز حديثه في الكتاب حول قضية وأحدة: خلاصتها أن الحكم محصور في الأئمة وهم اثنا عشر إمام وكل من نازعهم الحكم فهو ظالم.

وبما أن الأئمة لم يستمر وجودهم، وتوقف ظهورهم باختفاء الإمام الثاني عشر، فإنه يرى أن لا يتوقف، النضال من أجل تسلم الحكم، ويرى أن الأشخاص الذين يناط بهم قيام الدولة، هم فقهاء الشيعة الذين رووا أحاديث الأئمة،وعلموا علمهم دون سواهم.

وهو في ذلك يخطئ من يرى من الشيعة أن من الواجب انتظار الإمام الغائب، وليس عليهم المجاهدة لتسلم الحكم، ويحتكم بذلك إلى الأدلة العقلية والنصوص التي وجدها في كتاب الشيعة لإثبات ما يراه.

فهذه القضية التي يعالجها الخميني،وهي صلب الكتاب ومعناه، قضية تطعن أهل السنة في الصميم، فهو يرى أن سعي أهل السنة للحكم ظلم وجور، وأن الذين يستحقون قول الولاية هم فقهاء الشيعة فحسب ومما استدل به الخميني على مذهبه قول إمامهم أن القضاء محصور بمن كان نبيا أو وصي نبي، والفقيه (ويعين به الشيعي طبعا) هو وصي النبي، وفي عصر الغيبة يكون إمام المسلمين وقائدهم والقاضي بالقسط دون سواه(ص76) وينقل لنا الخميني قول الإمام الغائب الذي جاء منه حال الغيبة (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواه حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله) (ص77).

ويقول في ص49 (وقد فوض الله الحكومة الإسلامية الفعلية المفروض تشكيلها في زمن الغيب نفس ما فوضه إلى النبي ص وأمير المؤمنين..).

هذه هي القضية الأساسية التي يدور حولها الكتاب. وقد نوره به في الصفحة الأولى من الكتاب، وعرف به أيضًا، حين ذكر بالخط الواضح الكبير اسم كتابه (دروس فقهية ألقاها سماحة الإمام الخميني، والمرجع الأعلى للشيعة، على طلاب علوم الدين في النجف الأشرف، تحت عنوان(ولاية الفقيه).

وبالرغم من أن عنوان الكتاب يفصح عن موضوعه، فإن عقيدة الخميني ومذهبه واضحان أيضًا من خلال صفحاته وضوحا بينا كما سترى وسنعرض لذلك كله ونوضحه حتى يتبين وجه الحق قبل أن يتسرع متساهل، فيفزو للخميني ما ينكره هو نفسه، لو عرض عليه أو سمعه.