افتراق الشيعة بعد وفاة الجواد والرضا: تكرار الانقسام وسقوط دعوى النص والعصمة
لم يكن افتراق الشيعة بعد وفاة محمد بن علي الجواد، ولا بعد وفاة علي بن موسى الرضا، حادثًا طارئًا أو استثناءً في تاريخ الإمامة، بل كان امتدادًا طبيعيًا لمسار طويل من الاضطراب والانقسام الذي لازم المذهب الإمامي منذ مراحله الأولى. فكلما مات إمام – بزعمهم – انكشف التناقض بين الدعوى النظرية للإمامة بوصفها نصًا إلهيًا قطعيًا، وبين الواقع العملي الذي يشهد بتفرق الأتباع، وتعدد الأئمة، وتبدل المواقف تبعًا للمصالح والظروف السياسية.
فالإمامية يقررون أن الإمام يُنصّ عليه نصًا جليًا، وأنه معصوم لا يخطئ، ولا يضل، ولا يترك الأمة في حيرة، غير أن ما تنقله كتبهم المعتمدة يثبت أن الشيعة أنفسهم كانوا بعد كل وفاة إمام في حال ارتباك شديد، يتنازعون الإمامة بين الإخوة، أو يرجعون إلى الوقف، أو ينتقلون بين المذاهب، أو يدخلون في التشيع ثم يخرجون منه بحسب المصلحة الدنيوية.
ويكشف هذا المقال، من خلال استعراض افتراق الشيعة بعد الجواد والرضا، أن الإمامة لم تكن عقيدة محكمة ثابتة، بل فكرة متحركة أعيد تشكيلها بعد كل أزمة، وأن النص والعصمة لم يمنعا التفرق، بل لم يكونا موجودين إلا في الخطاب المتأخر.
افتراق الشيعة بعد وفاة الجواد:
أما موقف الشيعة بعد وفاته، فقد نزل أصحابه الذين ثبتوا على إمامته إلى القول بإمامة ابنه ووصيه علي بن محمد، فلم يزالوا على ذلك سوى نفر يسير منهم عدلوا عنه إلى القول بإمامة أخيه موسى بن محمد، ثم لم يلبثوا على ذلك إلا قليلاً حتى رجعوا إلى إمامة علي بن محمد ورفضوا إمامة موسى بن محمد، فلم يزالوا كذلك حتى توفي علي بن محمد[1].
افتراق الشيعة بعد وفاة الرضا:
أما عن موقف الشيعة بعد وفاة الرضا، فإليك البيان:
فرقة منهم كانت قد قطعت عليه وعلى موت أبيه، ولما توفي الرضا رجعوا إلى الوقف بعد موسى بن جعفر، وهذه الفرقة تسمى المؤلفة.
وثانية تسمى: المحدثة، كانوا من أهل الإرجاء من أصحاب الحديث، فدخلوا في القول بإمامة موسى بن جعفر، وبعده بإمامة علي بن موسى، وصاروا شيعة رغبة في الدنيا وتصنعاً، فلما توفي علي بن موسى الرضا رجعوا إلى ما كانوا عليه.
وفرقة كانت من الزيدية الأقوياء منهم والبصراء، فدخلوا في إمامة الرضا عندما أظهر المأمون فضله وعقد بيعته تصنعاً للدنيا واستكانوا الناس بذلك دهراً، فلما توفي الرضا رجعوا إلى قومهم من الزيدية.
وفرقة ائتمت بأحمد بن موسى.. وهكذا[2].