السر المكتوم للرازي وفصل القول بالرازي

كثيرًا ما يلجأ الشيعة الإمامية إلى الخلط والتدليس في محاولاتهم الطعن في أهل السنة والجماعة، فيستدلون بكتبٍ وأقوالٍ لا تمثل منهج السنة، أو ينسبون الانحرافات العقدية والسحرية إلى علماء انتسبوا زورًا إلى أهل السنة، مع تجاهل الردود العلمية الصريحة عليهم، ومن أبرز ذلك استدلالهم بكتاب «السر المكتوم في مخاطبة النجوم» المنسوب إلى فخر الدين الرازي.

إن هذا المسلك ليس جديدًا على الشيعة، فهم معروفون عبر تاريخهم بـ وضع الأحاديث الباطلة والروايات غير الحقيقية لخدمة أغراض عقدية، قائمة على الغلو في الأشخاص، ورفع البشر إلى مراتب لا تليق إلا بالله سبحانه وتعالى، حتى انتهى بهم الأمر إلى عقائد شركية صريحة، أخرجتهم عن الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ، وجعلتهم فرقة ضالة لا تنتسب إلى أهل السنة ولا إلى منهج السلف الصالح.

ويهدف هذا المقال إلى فصل القول علميًا في كتاب السر المكتوم، وبيان موقف أهل السنة الحقيقي منه، وتوضيح أن الرازي – على فرض صحة نسبة الكتاب إليه – ليس حجة على أهل السنة، بل قد رد عليه علماؤهم، وبيّنوا ضلاله وانحرافه، كما نُقل عن كثير من أهل العلم رجوعه في آخر عمره إلى منهج السلف، واعترافه بعجز علم الكلام والفلسفة.

اولاً: هذا الكتاب ليس معتمد عند السنة بل تبرأنا منه وردينا عليه كما سيأتي.

بالنسبة للرازي فهذا شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله يرد عليه ويبين بإنه كان جهمي جبري ليس من أهل السنة والجماعة يقول شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (16/213-214): " وَهَكَذَا الْجَهْمِيَّة تَرْمِي الصفاتية بِأَنَّهُمْ يَهُودُ هَذِهِ الْأُمَّةِ.

وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ مُتَقَدِّمِي الْجَهْمِيَّة وَمُتَأَخَّرِيهِمْ مِثْلُ مَا ذَكَرَهُ أبو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرَّازِي الجهمي الْجَبْرِيُّ وَإِنْ كان قَدْ يَخْرُجُ إلى حَقِيقَةِ الشِّرْكِ وَعِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ وَالْأَوْثَانِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ. وَصَنَّفَ فِي ذَلِكَ كِتَابَهُ الْمَعْرُوفَ فِي السِّحْرِ وَعِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ وَالْأَوْثَانِ. مَعَ إنه كَثِيرًا مَا يُحَرِّمُ ذَلِكَ وَيَنْهَى عَنْهُ مُتَّبِعًا لِلْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكُتُبِ وَالرِّسَالَةِ. وَيَنْصُرُ الْإسلام وَأَهْلَهُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ كَمَا يُشَكِّكُ أَهْلَهُ وَيُشَكِّكُ غَيْرَ أَهْلِهِ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ. وَقَدْ يَنْصُرُ غَيْرَ أَهْلِهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ. فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ التَّشْكِيكُ وَالْحَيْرَةُ أَكْثَرُ مِنْ الْجَزْمِ وَالْبَيَان"

ثم أن مما يمنع تكفيره إنه يوجد احتمال توبته وقد نقل بعض أهل العلم بإن الرازي تاب.

مجموع الفتاوى (4/55): " وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ: أن مِنْهُمْ مَنْ يُصَنِّفُ فِي دِينِ الْمُشْرِكِينَ وَالرِّدَّةِ عَنْ الْإسلام كَمَا صَنَّفَ الرَّازِي كِتَابَهُ فِي عِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ وَالْأَصْنَامِ وَأَقَامَ الْأَدِلَّةَ عَلَى حُسْنِ ذَلِكَ وَمَنْفَعَتِهِ وَرَغَّبَ فِيهِ وَهَذِهِ رِدَّةٌ عَنْ الْإسلام بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كان قَدْ يَكُونُ تَابَ مِنْهُ وَعَادَ إلى الْإسلام ".

  وقال الذهبي عنه ـ وقد ترجم له في الميزان في حرف الفاء باسم الفخر ـ: “ رأس في الذكاء والعقليات لكنه عري عن الآثار، وله تشكيكات على مسائل من دعائم الدين تورث الحيرة نسأل الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا، وله كتاب السر المكتوم في مخاطبة النجوم، سحر صريح، فلعله تاب من تأليفه أن شاء الله تعالى “ (ميزان الاعتدال 5/411).

ويقول: (وقد بدت من تواليفه بلايا وعظائم، وسحر وانحرافات عن السنة، والله يعفو عنه، فإنه توفي على طريقة حميدة، والله يتولى السرائر)

وقد اختلف العلماء فيه فبعضهم نسب الكتاب له وبعضهم نفاه عنه. ولكن الاقوى أن الكتاب له وعلى أي حال فهو لا يمثل أهل السنة وقد ردوا علمائنا عليه فمثلاً: (كتاب انقضاض البازي في انفضاض الرازي) وكتب غيرها ردوا عليه وكما رد عليه شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله في مواضع كثيره حتى من يقرأ عنه يظن أن ابن تيميه رحمه الله قد كفره.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تفسيره" أضواء البيان" ما نصه:

 واعلم أيضًا أن الفخر الرازي الذي كان في زمإنه أعظم أئمة التأويل ورجع عن ذلك المذهب إلى مذهب السلف معترفا بأن طريق الحق هي اتباع القرآن في صفات الله. وقد قال ذلك في كتابه: أقسام اللذات: لقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فلم أجدها تروي غليلا، ولا تشفي عليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن أقرأ في الإثبات:

﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، والنفي:﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. اهـ. وقد بين هذا المعنى في أبياته المشهورة التي يقول فيها:

نهاية إقدام العقول عقال **** وغاية سعي العالمين ضلال

وأرواحنا في وحشة من جسومنا **** وحاصل دنيانا أذى ووبال

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا **** سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

إلى أخر الأبيات. من " أضواء البيان.

 غير أن الرازي قلَّتْ ثقته بالعقل الإنساني وأدرك عجزه فأوصى وصية تدل على إنه حسن اعتقاده فقال قبل موته: "لقد تأملت الكتب الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تروي غليلاً.. "

[راجع فتح الباري 13/350 وإتحاف السادة المتقين للزبيدي 1/174 [ونجـــــد عن السبكي تفاصيل هذه الوصية

[راجع طبقات الشافعية 5/33[

وقد أبدى قلة ثقته بالعقل أثناء استعراض أقوال المعتزلة والأشاعرة حول مسألة التحسين والتقبيح العقليين قائلاً: "وأعلم أن هذه المذاهب ظهر في كل وأحد منها من المدائح والقبائح، فعند هذا قال أصحاب الحيرة والدهشة: أن هذه الدلائل ما بلغت في الوضوح والقوة إلى حيث تزيل الشك وتملأ بقوتها ونورها: العقل. بل كل وأحد منها يتوجه فيه نوع غموض"

[راجع المطالب العالية 4/426[

وقد نظم بعض الأبيات في وصف حال أهل الكلام بعد أن تاب

نهايــــة إقــــــدام العقـــول عقال *** وأكثر سعي العالمين ضـــلال 
وأرواحنا في وحشة من جسومنا *** وحاصل دنيانــــــا أذى ووبال 
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا *** سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

قد اعترف السبكي بتراجع الرازي عن منهج المتكلمين وذكر الحافظ إنه كتب وصية تدل على إنه حسن اعتقاده. ولكن النص كما عن السبكي مخالف لما ذكره الذهبي وابن كثير (قارن بين طبقات الشافعية 5/37 وبين البداية والنهاية 13/56 وسير أعلام النبلاء 21/501 فإن توبة الرازي وتراجعه عن أهل الكلام والمبتدعين إلى منهاج السلف لا يروق للسبكي وكيف لا والسبكي يعتبر الرازي والغزالي من مجددي الإسلام كما في طبقاته 1/202.

فقد جاءت اقوال كثيره إنه قد تاب ورجع للكتاب والسنة والتزام الجماعة وهذا يبين إنه كان على خطأ ورجع للصواب والله اعلم.