يُعدّ الغلو من أخطر الآفات العقدية التي ابتُليت بها الفرق الضالّة عبر تاريخ الأمة، إذ لا يقف عند حدّ تعظيم الأشخاص أو الأمكنة، بل يتجاوز ذلك إلى مصادمة النصوص القطعية من القرآن والسنة، وإعادة تشكيل الدين وفق روايات موضوعة أو متناقضة. ومن أبرز صور هذا الغلو ما نجده في التراث الشيعي من تعظيم مفرط لمسجد الكوفة، ورفعه إلى منزلة تضاهي – بل أحيانًا تزاحم – منزلة المساجد التي ثبت فضلها بنصوص صحيحة صريحة.
ففي كتبهم المعتمدة، تُروى أخبار تُضفي على مسجد الكوفة قدسية أسطورية، وتمنحه خصائص لم تثبت إلا للمسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، بل تتجاوز ذلك بادعاءات خطيرة؛ كجعل الصلاة فيه تعدل الحج والعمرة، واعتباره حرمًا إلهيًا، وموطنًا للأنبياء والأوصياء، ومحلًا لإجابة الدعاء وكشف الكربات على نحو مطلق.
ويهدف هذا المقال إلى كشف حقيقة هذه الروايات، وبيان تناقضها مع الأحاديث الصحيحة المتواترة، وإظهار كيف أسهم هذا الغلو في تحريف مفهوم القداسة في الإسلام، وتحويل بعض الأمكنة إلى بدائل عقدية للمشاعر والمناسك التي شرعها الله وحده، في انحراف واضح عن منهج أهل السنة والجماعة.
رواية تفضيل مسجد الكوفة:
وبالإسناد عن محمد بن يعقوب، عن احمد بن محمد وأبي يوسف يعقوب عن عبد الله من ولد أبي فاطمة، عن إسماعيل بن زيد مولى عبد الله بن يحيى الكاهلي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام وهو في مسجد الكوفة فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته فرد عليه فقال: جعلت فداك إن عزمت على المضي إلى المسجد الأقصى وقد أتيت لأسلم عليك وأودعك فقال: أي شيء تريد بذلك، قال: الفضل جعلت فداك، قال: فبع راحلتك وكل زادك وصل في هذا المسجد فإن الصلاة المكتوبة فيه حجة مبرورة، والنافلة عمرة مبرورة والبركة فيه اثنا عشر ميلا يمينه رحمة ويساره مكر وفي وسطه عين من دهن، وعين من لبن، وعين من ماء شراب للمؤمنين، ومنه سارت سفينة نوح وكان فيه نسر ويغوث ويعوق وصلى فيه سبعون نبيا وسبعون وصيا أنا آخرهم وقال ويده على صدره: ما دعا فيه مكروب بمسألة في حاجة من الحوائج إلا أجابه الله وفرج عنه كربه.
فضل الكوفة ومساجدها لمحمد جعفر المشهدي ص29 - 30
680 - روى خالد بن ماد القلانسي، عن الصادق عليه السلام أنه قال: " مكة حرم الله وحرم رسوله وحرم علي بن أبي طالب عليهما السلام والصلاة فيها بمائة ألف صلاة، والدرهم فيها بمائة ألف درهم والمدينة حرم الله وحرم رسوله وحرم علي بن أبي طالب عليهما السلام الصلاة فيها بعشرة آلاف صلاة، والدرهم فيها بعشرة آلاف درهم، والكوفة حرم الله وحرم رسوله وحرم علي بن أبي طالب عليهما السلام والصلاة فيها بألف صلاة، وسكت عن الدرهم ".
من لا يحضره الفقيه للصدوق الجزء الأول ص 228
693 - وقال أبو بصير: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: نعم المسجد مسجد الكوفة، صلى فيه ألف نبي وألف وصي، ومنه فار التنور، وفيه نجرت السفينة، ميمنته رضوان الله، ووسطه روضة من رياض الجنة، وميسرته مكر يعني منازل الشياطين " .
من لا يحضره الفقيه للصدوق الجزء الأول ص 231
694 - وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، ومسجد الكوفة ".
من لا يحضره الفقيه للصدوق الجزء الأول ص 231