يُعدّ تعظيم بيت الله الحرام أصلًا قطعيًا من أصول الدين، ثابتًا بنصوص القرآن والسنة، ومجمعًا عليه بين المسلمين عبر القرون، حيث جعل الله مكة المكرمة قبلةً للناس، وأمًّا للقرى، وموضع بيته العتيق الذي تُشدّ إليه الرحال، وتُضاعف فيه الحسنات، وتُعظَّم فيه الشعائر. غير أن الفرق الضالّة، وعلى رأسها الشيعة، لم تقف عند حدود هذا التعظيم المشروع، بل تجاوزته إلى غلوّ خطير يمسّ جناب التوحيد وتعظيم شعائر الله.

ففي مصادرهم المعتمدة، تُروى نصوص تزعم أن الله سبحانه وتعالى هدّد مكة وبيت الله الحرام بالهلاك، وأمرها بالذل والخضوع لأرض كربلاء، وجعل فضل مكة بالنسبة لكربلاء كالإبرة في البحر، بل صرّحت تلك الروايات بأن الله لولا كربلاء ما خلق مكة ولا البيت الذي فيها. وهي دعاوى خطيرة تُسقط قدسية الحرم، وتُقزّم مكانة الكعبة المشرفة، وتُعيد تشكيل مفهوم الفضل والاصطفاء الإلهي وفق منطق أسطوري غالٍ.

ولم يكتفِ منظّرو الشيعة بنقل هذه الروايات، بل صرّح كبار علمائهم – كصادق الشيرازي – بأفضلية كربلاء على مكة والمدينة، مستندين إلى هذه الأخبار، ومؤسسين بذلك عقيدة تفضيل المشاهد والقبور على شعائر الله العظمى، في انحراف واضح عن الإسلام الذي جعل التفاضل بما شرعه الله لا بما ابتدعه البشر.

ويهدف هذا المقال إلى كشف هذا الغلو، وبيان حقيقته من كتبهم وأقوال علمائهم، وإظهار تناقضه الصارخ مع القرآن والسنة والإجماع، والتحذير من آثاره العقدية الخطيرة.

الله يهدد مكة لأجل كربلاء:

تهديد الله سبحانه وتعالى لمكة ولبيت الله الحرام لأجل كربلاء!!! وكان مكة وبيت الله عز وجل لا قيمة لهم إمام (كربلاء)

حدثني محمد بن جعفر القرشي الرزاز، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن أبي سعيد القماط، عن عمر بن يزيد بياع السابري، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: أن ارض الكعبة قالت: من مثلي وقد بني بيت الله على ظهري، ويأتيني الناس من كل فج عميق، وجعلت حرم الله وامنه، فأوحى الله إليها أن كفي وقري فوعزتي وجلالي ما فضل ما فضلت به فيما اعطيت به ارض كربلاء إلا بمنزلة الابرة غمست في البحر فحملت من مأ البحر، ولولا تربة كربلاء ما فضلتك، ولولا ما تضمنته ارض كربلاء ما خلقتك ولا خلقت البيت الذي افتخرت به، فقري واستقري وكوني دنيا متواضعا ذليلا مهينا، غير مستنكف ولا مستكبر لارض كربلاء، والا سخت بك وهويت بك في نار جهنم.

كتاب كامل الزيارت ص450

وحدثني أبي وعلي بن الحسين، عن علي بن ابراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمد بن علي، قال: حدثنا عباد أبو سعيد العصفري، عن عمر بن يزيد بياع السابري، عن جعفر بن محمد (عليهما السلام)، وذكر مثله.

كتاب كامل الزيارات ص450

والسند صحيح كما قال هاشم الهاشمي

أجاب اية الله السيد صادق الحسيني الشيرازي:

كربلاء أفضل من مكة:

كيف تكون كربلاء المقدسة أفضل من مكة المكرمة المذكورة في القرآن الكريم وهي قبلة المسلمين كافة وبها بيت الله الحرام؟ بل كيف تكون كربلاء المقدسة أفضل من المدينة المنورة وهي التي دفن بها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله والسيدة الزهراء عليها السلام إضافة إلى الإمام الحسن والإمام السجاد والإمام الباقر والإمام الصادق سلام الله عليهم وهي التي بها ثاني الحرمين الشريفين؟

لقد جاء في الحديث الشريف:

 أن أرض كربلاء هي قطعة مقتطعة من الجنة فوق الأرض وفي القيامة تلحق بالجنة وترجع إلى أصلها، وإن فيها الشفاء من كل داء، بينما لم يذكر ذلك لغير كربلاء من البقاع المتبركة والأراضي المقدسة، مضافاً إلى ما ورد في الحديث الشريف من تفاخر الكعبة على كربلاء بما مضمونه من أن الله ردّ على الكعبة بأن قرّي واسكني فلولا كربلاء لما خلقتك، وقد ذكر ذلك في كتب العامة والخاصة، وإلى هذا أشار العلاّمة السيد بحر العلوم في منظومته بقوله: (ومن حديث كربلاء والكعبة ـ لكربلاء بان علوّ الرتبة)