الاثنا عشرية وتكفير فرق الشيعة الأخرى
يُظهر التراث العقدي للإمامية الاثني عشرية أن الخلاف بينها وبين بقية فرق الشيعة لم يكن خلافًا فقهيًا أو اجتهاديًا محدودًا، بل بلغ حدَّ الحكم العقدي الصارم الذي يترتب عليه التكفير والتبديع وإخراج المخالف من دائرة الإيمان. وتكشف نصوص كبار منظّري الإمامية، كابن بابويه القمي (الصدوق)، والشيخ المفيد، وأبي الفتح الكراجكي، ويوسف البحراني، أن إنكار إمام وأحد من الأئمة الاثني عشر، أو التوقف عند إمام بعينه، أو الميل إلى فرقة شيعية أخرى كالزيدية أو الواقفة أو الفطحية، يُعَدّ عندهم إنكارًا للدين كلّه، لا يختلف حكمه عن إنكار النبوة نفسها. ويهدف هذا المقال إلى عرض هذه النصوص كما هي من مصادرها المعتمدة، وبيان حقيقة الموقف الإمامي من بقية فرق الشيعة، دون توصيفهم بالإسلام، باعتبارهم – في هذا التصور – فرقًا ضالّة مبتدعة خارجة عن الإيمان الصحيح
قال الصدوق:
"واعتقدنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والأئمة من بعده - عليهم السلام - إنه بمنزلة من جحد نبوة جميع الأنبياء. واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر وأحدا من بعده من الأئمة إنه بمنزلة من أقر بجميع الأنبياء وأنكر نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم " اهـ
الاعتقادات في دين الإمامية - الصدوق - ص 104
وقال أيضًا: " واعتقادنا فيمن خالفنا في شئ من أمور الدين كاعتقادنا فيمن خالفنا في جميع امور الدين " اهـ
الاعتقادات في دين الإمامية - الصدوق - ص 110
وقال المفيد:
" 16 - القول في أصحاب البدع وما يستحقون عليه من الأسماء والأحكام واتفقت الإمامية على أن أصحاب البدع كلهم كفار، وأن على الإمام أن يستتيبهم عند التمكن بعد الدعوة لهم وإقامة البينات عليهم، فإن تابوا عن بدعهم وصاروا إلى الصواب وإلا قتلهم لردتهم عن الإيمان، وأن من مات منهم على تلك البدعة فهو من أهل النار" اهـ
أوائل المقالات - المفيد - ص 49
وقال البحراني:
" وروى القطب الراوندي في كتاب الخرائج والجرائح عن أحمد بن محمد بن مطهر قال: " كتب بعض اصحابنا إلى أبي محمد (عليه السلام) من أهل الجبل يسأله عن من وقف على أبي الحسن موسى (عليه السلام) اتولاهم أم اتبرأ منهم؟ فكتب لا تترحم على عمك لا رحم الله عمك وتبرأ منه، انا إلى الله برئ منهم فلا تتولهم ولا تعد مرضاهم ولا تشهد جنائزهم ولا تصل على أحد منهم مات ابدا سواء، من جحد إماما من الله تعالى أو زاد إماما ليست إمامته من الله أو قال ثالث ثلاثة، أن الجأحد أمر آخرنا جأحد أمر اولنا والزائد فينا كالناقص الجأحد أمرنا " اهـ
الحدائق الناضرة – البحراني – ج 5 ص 189 - 190
ويقول أبو الفتح الكراجكي ذاكرا بعض ما يتعلق بالاعتقاد:
" ويجب أن يعتقد أن الله فرض معرفة الأئمة عليهم السلام بأجمعهم وطاعتهم وموالاتهم والاقتداء بهم والبراءة من أعدائهم وظالميهم ومخالفيهم والمتعلين على مقاماتهم والمدعين لمنازلهم وأشياعهم واتباعهم وجميع المتفقهين لغير الأئمة صلوات الله عليه وإنه لا يتم الايمان إلا بموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه وان أعداء الأئمة عليهم السلام كفار ملحدون في النار وان اظهروا الإسلام فمن عرف الله ورسوله والأئمة الاثني عشر وتولاهم وتبرأ من أعدائهم فهو مؤمن ومن انكرهم أو شك فيهم أو أنكر أحدهم أو شك فيه أو تولى أعدائهم أو أحد أعدائهم فهو ضال هالك بل كافر لا ينفعه عمل ولا اجتهاد ولا تقبل له طاعة ولا يصح له حسنات " اهـ
كنز الفوائد - أبو الفتح الكراجكي - ص 113