رواية سجود عائشة عند مقتل علي رضي الله عنه
في مرويات أبو الفرج الأصفهاني وكتابيه في ضوء أقوال علماء الجرح والتعديل
تُعدُّ مسألة الروايات التاريخية المتعلقة بالفتنة الكبرى ومقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه من أكثر القضايا إثارة للجدل في التراث الإسلامي، لما يترتب عليها من مواقف عقدية وتاريخية خطيرة. ومن بين الروايات التي يكثر تداولها روايةُ سجود أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها عند سماع خبر مقتله، وهي رواية أوردها أبو الفرج الأصفهاني في كتابه مقاتل الطالبيين.
لقد اشار أبو الفرج الاصفهاني إلى تنويع المواضيع في كتابه، وإنه قصد ذلك حتى لا يشعر القارئ بالملل والرتابة، والحقيقة إنه قصد ذلك حتى يستر غرضه المشبوه، وحتى لا يفتضح أمره ونكشف شعوبيته عن وجهها الكالح الدميم، فهو يتكلم عن الغناء واخبار القيان، ثم عن الجن والغيلان، ثم ياخذ طرفاً من التفسير والسير والفقه، ثم يعود إلى الخمريات والتبذل ثم اخبار الخلفاء، ثم الشعر والتاريخ، وهكذا...
وقد جمعت اطرافاً من تلك المباحث اللئيمة الخبيثة دون استقصاء، ولو انني استقصيت ما ورد في (الاغاني) من السقط والمعايب والمخازي والمساوئ وكل أمر منكر وقبيح، لصار لدي كتاب في المثالث (نعوذ بالله، ولكنني جمعت اطرافاً منها، وعلقت عليها وناقشتها وكشفت عن المقاصد الخفية للشعوبية واساليبها ومكرها ودهائها، وتسترها تحت ظلال الادب، والسمر والمؤانسة والمذاكرة والمحاضرة.
وكل حصيلة هذه المتابعة التي استغرقت سنتين كاملتين أن استوى لدي كتاب مستطاب سميته: (السيف اليماني في نحر الاصفهاني صاحب الاغاني)
وقد جعلته في اربعة فصول:
تناول الفصل الاول ترجمة الفرج الاصفهاني واقوال العلماء فيه، وتعريفاً بالرواة الكذابين الذين روى عنهم الاصفهاني مع تعريف بكتاب الاغاني واراء العلماء والادباء والنقاد فيه، مع نبذة يسيرة عن العهد البويهي، وسبب تاليف الكتاب ولمن ألفه الاصفهاني.
واحتوى الفصل الثاني اخباراً وحكاياتٍ اوردها الاصفهاني عن آل البيت الشريف، وهي اخبار تسئ اليهم وتجرح سيرتهم، وتشوه سلوكهم، وتوهن أمرهم بما يوافق هوى آل بويه الذين يزعمون الولاء لآل البيت كذباً وزوراً، وقد ناقشت تلك الاخبار وعلقت على كل حكاية بما يناسبها.
اما الفصل الثالث، فقد ضم حكايات شنيعة واخباراً فظيعة اوردها الاصفهاني عن الامويين، نفس فيها عن حقده الدفين وضغينته على العرب، وهو يزعم إنه اموي النسب.
وتلك الاخبار توافق هوى ال بوية والعباسيين والعلويين، وقد ناقشت كل خبر منها، وعلقت عليه بما يناسب المقام وجعلت الفصل الرابع للاخبار والحكايات المتفرقة التي طعن فيها الاصفهاني بالعقائد الإسلامية، ولعن دين الإسلام وتفضيل الجاهلية على الإسلام، مع الكفر البواح والاستخفاف بالصلاة والحج ويوم القيامة، مع دفاع عن البرامكة واشادة الفرق، وطعون مختلفة باعلام العرب والمسلمين، وناقشت كل تلك الاخبار وعلقت عليها بما يناسب أيضًا.
ثم قال في الخاتمة:
(بعد هذه الجولة الواسعة في كتاب (الاغاني) لابي الفرج الاصفهاني والوقوف عنده اخباره ومناقشتها والتعليق عليها، ارج وان يكون القارئ فد تبين مقاصد هذا الشعوبي الحاقد اللئيم، وقد غضضت النظر وصرفت القلم عن اخبار فظيعة وحكايات شنيعة لا يكتبها اشد الناس عداوة وبغضاً للعرب والمسلمين، فقد اتهم كثيراً من اعلامهم باللواطة، ورمى بعضهم بالابنة، وكريمات نسائهم بالسحاق، والصق بهم السخائم من ذميم الخصال وقبيح الفعال، متستراً بظلال الادب والسمر والمذاكرة والمؤانسة، كان ذلك لا يحصل إلا بشتم سلف هذه الامة المجيدة في تاريخها وخلقها).
وقد شكك في مصداقية الاخبار التي حواها هذا الكتاب جل من تكلم عنه، فعلى الرغم من الاطراء البالغ الواقع في كلام البعض على هذا الكتاب، فانهم سرعان ما يشككون في صحة الاخبار التي فيه، فها هو نذير محمد مكتبي يقول في مطلع كتابه (جوله في افاق الاغاني) بعد أن ذكر مدحاً بالغاً لهذا الكتاب، وإنه من اهم المصادر الادبية، قال (ص 4): (ولكن رغم هذه الميزات والمحاسن، لم يكن هذا الكتاب القدير نظيف الاخبار، صحيح جميع الانباء، سالم كل الافكار، صادق سائر الإسناد، كما يجب أن يكون ليبقى شمساً مشرقة في سماء نفية لا يشوبها ولو سحابة صيف، وانما تطرق الضعف إلى بعض رواياته وظهر الفساد في جانب من اخباره، فأدى ذلك إلى سقوط هبيته من نفوس طائفة من الادباء وضعفت الثقه به عند بعض فحول العلماء، حتى اصبح الحذر منه في نظرهم واجباً.
وليس فيما نذكره حيف على كتاب (الاغاني) رغم سمو كعبه بين كتب الادب وذيوع صيته بين العجم والعرب، فتلك حقيقة، وان كانت مره قاسية على نفوس طلابه وعشاق قراءته، ولكنها تبقى حقيقة ثابته فيه لا تقبل الانكار.
ويمكننا استيضاحها من خلال جولة قصيرة هادئة في بعض ارجاء كتاب (الاغاني) تكفي للحصول على فكرة واضححة عنه، ثم قام بجولة واسعة مختلفة بين فيها خطأ وكذب كثير من الاخبار بحجج ظاهرة تارية وخفية اخرى، وقال في نهاية المطاف (ص 116 – 117) ما نصه:
(... فحيث تعرض كتاب (الاغاني) لان تسربت اليه مجموعة من الاخبار المكذوبة او الضعيفة واجتاحت بعض اخباره الصحيحة طائفة من التشويهات اصبح من الواجب علينا – حرصاً منّا على سلامة مصادرنا التاريخية، ونقاء مواردنا الثقافية – أن ننبه الة تلك الاخبار المكذوبة والضعيفة، ونحذّر من تلك التشويهات التي اصابت بعض الاخبار الصحيحة، حتى يصفو ينبوع (الاغاني)، فيعذب ماؤه في افواه الشاربين.
فعلمنا في هذه الجولة الصغيرة، ليس حرباً على (الاغاني)، ونكاية بمؤلفة وفضحاً لاغاليطه وتشويهاته ابتغاء نبذه من دائرة التراث العربي والإسلامي، وانما هو اماطة اذى التشويهات عن طريقه وتثبيت معالمه الفكريه ورصيده الاخباري في هذن الجيل واعماق نفسه بشكل صحيح يتناسب مع المنطق التاريخي الحق.
وان ما قمنا به في هذا البحث الموجز ابتغينا منه التنبيه إلى هذه الناحية المهمة، وبعث الهمّة في عزائم الغيورين على تراثنا كي يبادروا إلى هذا الكتاب الكبير الغنيّ بالاخبار، فيستلوا منها الاغاليط والاباطيل والتشويهات بمناقشة دقيقة وادلة قوية واسلوب حكيم، إذ ما قدمناه لا يزيد على أن يكون خطوة بسيطة في هذا العمل الضخم.
هذا هو جهدنا، والتتمة على النقاد والباحثين المتمرسين ذوي المعرفة الجمة والعلم الغزير، فكتاب (الاغاني) حتى اليوم لم يخدم الخدمة المناسبة، ونحن لا ننكر أن هناك من قام بتحقيقة واخراجه بثوب جديد، ولكن هذا البذل لكتاب أبي الفرج ما زال قاصراً على الواجب الكبير تجاهه والذي يقتضي تخريج جميع اخباره والبحث في سند رواياته – كي يتميز الخبيث من الطيب – وطرح الاراء المناسبة حول تلك الاخبار بما يجعل هذا الكتاب الضخم يحقق الفائدة المنشودة في جيل عصرنا) انتهى.
ومع وضوح هذا الأمر فقد عمدت ثلة ممن حاربوا الفضيلة، وعملوا على غرص افكار الاستشراق في شباب الامة ومثقفيها إلى نبش هذا الكتاب، والقاء ما فيه من امور واخبار (مما تناقض واستحال، او الروايات المستضعفة تاريخياً) والدندنة بها بحيث تشوه اعلاماً من الصحابة والصالحين من العلماء والولاة، وقد حذر من صنيع هؤلاء انور الجندي رحمه الله، فقال: (ركز التغريب والغزو الثقافي على كتابي (الاغاني) و(ألف ليلة) تركيزاً شديداً بهدف رفعهما إلى مربتة المراجع الاساسية التي يعتمد عليها في تصوير المجتمع الإسلامي، مع تجاهل عيوب الكتابين التي تحول دون اعتمادها في المصادر الموثوق بها، اما الاول، فكاتبه شعوبي عدو للإسلام، واما الثاني، فهو كتاب لقيط ليس له مؤلف.
اما كتاب (الاغاني) فهو موشوعة في بضع وعشرين مجلداً وضعها أبو الفرج الاصفهاني ليسأمر بها الأمراء والفارغين مع المترفين في اسمار الليل، ولم يقصد بها إلى العلم او التاريخ، وكان الاصفهاني في نفسه انساناً رافضاً لمجتمع المسلمين والعرب، وله ولاء بالمولد والفكر جميعاً إلى خصوم المسلمين والباطنية والرافضة وغيرهم ولم يكن عمله هذا إلا نوعاً من الحرب العنيفة التي شنتها الشعوبية على الإسلام والمسلمين رغبة في هدم فكرهم كوسيلة إلى هدم مجتمعهم.
وقد حرص التغريب واصحاب نظرية النقد الادبي الغربي الوافدة على القاء الاضواء الساطعة على هذا الكتاب واحيائه، واعتباره مرجعاً في الدراسات الادبية ومصدراً لتصوير المجتمع الإسلامي، وكان الدكتور طه حسين جزاه الله بما هو اهله من ابرز من دعوا إلى ذلك وألحوا عليه، فقد عمد إلى (الاغاني) نفسها فاصدر اعتماداً على قصصها احكاماً زائفه على مجتمع المسلمين وتاريخهم، اراد بها المساهمة في عملية التغريب الضخمة والتي كانت تجري في الثلاثينات من هذا القرن).
ثم قال تحت عنوان: (الاصفهاني... شعوبي) ما نصه:
(على أن اقل مواجهة لسيرة الاصفهاني تكشف عن إنه كان من الشعوبيين، وقد عرف بالتحايل والاغراق، واثبت كثير من الباحثين والمؤرخين إنه لم يكن مؤرخاً، وأكدوا أن كتابه لا يصلح لان يكون مادة تاريخ، وانما هو جماع لقصص وجدها في الكتب والاسواق واراد بها أن يسجل للاغاني والمغنين، وهو جانب واحد من حياة المجتمع الإسلامي الحافل بالجوانب السياسية والاجتماعية والفقهية والصوفية.
وقد شهد عليه الكثير من معاصريه ومؤرخيه بالانحارف ودمغه المؤرخ اليوسفي بشهادة هي في نظر العلماء كمصدر موثوق به.
إذ قال: (ا نابا الفرج اكذب الناس، لإنه كان يدخل سوق الوراقين وهي عدة من الدكاكين مملوءه بالكتب، فيشتري منها شيئاً كثيراً من الصحف ويحملها إلى بيته، ثم تكون رواياته كلها منها).
وذكر عنه صاحب (معجم الادباء) (ج5 ص 153) قوله: (كان شإنه معاقرة الهمر، وحب الفلمان، ووصف النساء شأن الشعراء والادباء الذين كانوا في عصره او قبله، حيث يثدم دهاقين الخمارين، وجلهم من النصارى واليهود والصابئين والمجوس، وقد عرف بمعاقرته للخمر ولم تكن له عناية بتنظيف جسمه وثيابه).
وقال عنه الصابي في كتابه الذي ألفه في اخبار الوزير المهلبي:
(وكان أبو الفرج الاصفهاني وسخاً قذراً، لم يفسل له ثوباً منذ فصله إلى أن قطعه، وكان الناس يحذرون لسإنه ويتقون هجاءه، ويصدون عن مجالسته ومعاشرته على كل صعب من أمره، لإنه وسخاً على نفسه وثوبه ونعله).
وحكى القاضي أبو علي المحسني التنوخي في كتابه (نشوار المحاضرة) أن أبا الفرج كان اكولاً نعماً، وكان إذا اطال الطعام وثقل على معدته، تناول خمسة دراهم فلفلاً مدقوقاً، فلا تؤذيه ولا تدمع له عيناه، وبعد ساعة او ساعتين يقصد، أي: يعرق.
ولست ادري كيف يصلح مثل هذا الكتاب مرجعاً في نظر الباحثين او يمكن أن يؤتمن على راي او قول، ولقد عودتنا مناهج الفكر الإسلامي أن ننظر إلى كاتبه، فان وجدناه اميناً كريماً موضع تقدير الناس بالصدق والحق، قبلنا منه، والا، رفضنا ما يقدمه ولو كان صادقاً في بعضه.
وقد اشار الدكتور زكي مبارك في كتابه (النثر الفني في القرن الرابع الهجري) إلى مكانة الاصفهاني وكتابة (الاغاني) في بحث مطول نجتزئ منه: (وشهرة الاصفهاني وكتابه مستفيضة، وانما اريد هنا أن انص على ناحيتين في الاصفهاني وكتابه لم اجد من تنبه لهما من الباحثين، ولهاتين الناحيتين اهمية عظيمة في فهم الحياة الادبية، وسيكون لهما أثر عظيم في دعوة المؤلفين إلى الاحتياط حين يرجعون إلى كتاب (الاغاني) يلتمسون الشواهد في الادب والتاريخ).
ثم قال تحت عنوان (كتاب مجون... وخلاعة) ما نصة:
(الناحية الاولى خاصة بالاصفهاني، تلك الناحية هي خلقة الشخصي، فقد كان الاصفهاني مسرفاً، اشنع من الاسراف في الملذات والشهوات، وقد كان لهذا الجانب في تكوينه الخلفي أثر ظاهر في كتابه، فان كتاب الاغاني احفل كتاب باخبار الخلاعة والمجون، وهو حين يعرض للكتاب والشعراء يهتم بسرد الجوانب الضعيفة في اخلافهم الشخصية ويهمل الجوانب الجدية اهمالاً ظاهراً يدل على إنه كان قليل العناية بتدوين اخبار الجد والرزانة والتجمل والاغتسال، وهذه الناحية من الاصفهاني افسدت كثيراً من اراء المؤلفين الذين اتمدوا عليه، ونظرة فيما كتبه جرجي زيدان في كتابه (تاريخ اداب اللغة العربية) وما كتبه الدكتور طه حسين في (حديث الاربعاء) تكفي للاقتناع بان الاعتماد على كتاب (الاغاني) جر هذين الباحثين إلى الحط من اخلاق الجماهير في عصر الدولة العباسية، وحملها على الحكم بان ذلك العصر كان عصر فسق وشك ومجون.
ولا شك أن اكثار الاصفهاني من تتبع سقطات الشعراء وتلمس هفوات الكتاب جعل في كتابه جواً مشبعاً باوزار الاثم والغواية، وإذاع في الناس فكرة خاطئة هي اقتران العبقرية بالنزق والغواية، وإذاع في الناس فكرة خاطئة هي اقتران العبقرية بالنزق والطيش، اما الناحية الثانية هي خاصة بكتاب الاغاني، تلك الناحية هي نظم ذلك الكتاب، ففي مقدمته عبارات صريحة الدلالة على أن مؤلفه قصر اهتمامه او كاد على امتاع النفوس والقلوب والاذواق، فهو كتاب ادب لا كتاب تاريخ، واريد بذلك أن المؤلف اراد أن يقدم لأهل عصره اكبر مجموعة تغذى بها الاندية ومجامع السمر ومواطن اللهو، وإنه ليحدثنا في المقدمة بان هاتى في كل فصل من كتابه بفقرة إذا تاملها قارئها، لم يزل متنقلاً بها من فائدة إلى مثلها، ومتصرفاً فيها بين جد وهزل، واخبرنا بعد ذلك بإنه اهتم بالغناء الذي عرف له قصة تستفاد وحديثاً يستحسن، وعلل ذلك بقوله: إذ ليس لكل الاغاني خبر تعرفه).
ثم قال تحت عنوان (احذرو (الاغاني)) ما نصه:
(وقال زكي مبارك: والخطر كل الخطر أن يطمئن الباحثون إلى أن لروايات (الاغاني) قيمة تاريخية، وان يبنوا على اساسها ما يثيرون من حقائق التاريخ، ولا سيما أن صاحب (الاغاني) يصارحنا بان في طباع البشر الانتقال من شئ إلى شئ ومن معهود إلى مستجد).
ولقد كان من اخطر اعمال التغريب هو توجيه الباحثين إلى اتخاذ (الاغاني) مصدراً لدراسة المجتمع الإسلامي، بينما قصر عند جانب واحد هو جانب اللهو، ولم يتعرض للجوانب الاخرى الجادة في المجتمع وهي متعددة، ومن هنا يوحي حين الاعتماد عليه كمصدر أن الحياة الإسلامية في القرن الثاني الهجري كانت لهواً، وهو ما صرح به طه حسين ورده الكثيرون وكشفوا زيفه...
كذلك اعتمد المستشرفين لامنس على كتاب (الاغاني) في كتابه (تاريخ بني اميه)، وكذلك ما اورده المستشرقين فلهوزن في كتابه (الدولة العربية وسقوطها)، بل أن بعض من نقدوا زكي مبارك من دعاة التغريب لما اعتبروه جرأة على مصادرهم امصال صاحب (الاغاني)، قررو فيه ما قررنا.
يقول جبرائيل جبور رئيس الدائرة العربية في جامعة بيروت الأمريكية:
(اريد أن اذهب إلى ابعد من هذا، فازعم أن في (الاغاني) كثيراً من الاخبار الملفقة التي ربما تكون قد جازت على أبي الفرج، فاوردها).
ويحاول جبور عبد النور أن يدافع عن الاصفهاني، فيسأل: (أمن الضروري أن كان المؤرخ فاسقاً او مسرفاً يتتبع الاسراف في اللذات والشهوات أن لا يكون مؤرخاً وألا يكون صادقاً فيما يروي او يقول او يكتب؟!).
ونحن نقول له: نعم، في فكرنا الإسلامي، فان لم يكن في الفكر الغربي كذلك، فهذا أمر اخر، أن فكرنا الإسلامي وضع قواعد البحث والنقد والعلم على اساس الارتباط الجذري بين علم الباحثين وشخصيته، فان كان منحرفاً في حياته، مضطرباً في شخصيته، بعيداً عن الاخلاق والدين، فنحن نرفضه مصدراً علمياً ولا نقبل له شهادة، والاصفهاني بشهادة الجميع من انصاره وخصومه على السواء مهدور الرأي ساقط الشهادة، وان فسقه الشخصي قد ادخل كثيراً من هواه على ما اورده، فضلاً عن انحرافه الفكري والعقائدي والاجتماعي مما يفسد اراءه افساداً، بالاضافة إلى أن كتاب (الاغاني) ليس مرجعاً علمياً، ولكنه من كتب التسلية والسمر التي كتبت لتزجية فراغ بعض المترفين، ومن هنا، فإنه لا يصلح اساساً كمصدر للعلم او مرجعاً للبحث في الادب والتاريخ).
ومعذرة اخي القارئ على هذا الاستطراد في التحذير من هذا الكتاب، فقد طال الكلام بين الباحثين والمطلعين حوله، فاحببت أن تمر بشذارتٍ من كلامهم، وان تعرف أثر هذا الكتاب في اولئك القوم الذين شوّهوا تاريخنا الإسلامي، وقد مر بك مزيد من التحذير منهم أن شاء الله تعالى.
وتجد كلاماً مشبعاً مر بك طرف منه حول هذا الكتاب عند الاستاذ زكي مبارك في كتابه (النثر الفني في القرن الرابع الهجري) (ص 288 – 290)، ووقع التحذير منه أيضًا في التعليق على (العواصم من القواصم) لابن العربي (ص 261) وفي (من عبر التاريخ) ص 23) وفيه (... وابو الفرج الاصبهاني صاحب (الاغاني) من رجال الاسمار لا من مصادر صحيح الاخبار... وقد اغنى الله تعالى أهل العلم من هذا الظنين الوسخ).
كتب حذر منها العلماء لأبي عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان المجلد الثاني صفحة 24 – 43