الحمد لله الذي اصطفى نبيه محمدًا ﷺ وجعله خاتم الأنبياء والمرسلين، وكتب له المقام المحمود قبل أن يُخلق آدم عليه السلام، والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد،

فإن من الأحاديث التي يكثر الاستدلال بها في مسائل متعلقة بسبق النبوة وخاتمية الرسول ﷺ حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه: «إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم عليه السلام لمنجدل في طينته». وقد تنازع العلماء في بعض ألفاظه وطرقه، كما وقع خلاف في فهم دلالته: هل يدل على سبق وجود النبي ﷺ حقيقةً قبل آدم؟ أم إنه يدل على سبق الكتابة والتقدير في علم الله تعالى؟

وقد استغل بعض الغلاة – ومنهم الفرقة الرافضية الضالة – هذا الحديث لإثبات عقائد باطلة تتعلق بسبق الوجود أو ما يسمى بالنور المحمدي، مع أن التحقيق العلمي عند أئمة الحديث والعقيدة يبيّن أن المراد سبق الكتابة في اللوح المحفوظ، لا سبق الوجود الذاتي.

وفي هذا المقال نعرض تخريج الحديث، وأقوال أهل العلم فيه، ثم نوضح الفرق بين الوجود التقديري والوجود الحقيقي، ونبيّن منهج أهل السنة في هذه المسألة، بعيدًا عن الإفراط والتفريط.

إني رسوله لخاتم النبيين وإن آدم عليه السلام لمجندل في طينته

حدثني أبي نا عبد الرحمن بن مهدي نا معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد الكلبي عن عبد الاعلى بن هلال السلمي كذا قال عبد الرحمن عن العرباض بن سارية قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم عليه السلام لمجندل في طينته وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بي».

رواه أحمد في (المسند4/127)

 عن العرباض بن سارية والحاكم في (المستدرك2/600) وابن حبان في (موارد الظمآن ص512) والبيهقي في (دلائل النبوة1/390) والبزار والطبراني. وقال الهيثمي: أحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن سويد ولم يوثقه غير ابن حبان (مجمع الزوائد3/223) وانظر (الكافي الشافي لابن حجر ص10). قال الحافظ « صححه ابن حبان والحاكم»

(فتح الباري6/559).

قال ابن تيمية:

 « هذا اللفظ كذب باطل ولكن في الترمذي «متى كنت نبيا قال وآدم بين الروح والجسد. وفي آخر إني لعند الله مكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته». وبهذا يتبين الفرق بين الوجود في الكتابة وبين الوجود السابق وهذا الأخير هو الباطل.