الحمد لله الذي حفظ رسله عن الهفوات والخطايا، واصطفى نبيه محمد ﷺ على البشرية جميعاً، وجعل زوجه وأهله آيات على النزهة والطهارة.
أما بعد، فإن من القضايا المثارة حول النبي ﷺ ما يروى من روايات ضعيفة ومنكرة حول زينب بنت جحش رضي الله عنها، وخاصة ما يُزعم عن إعجابه بها عند استحمامها أو قوله "سبحان الله مقلب القلوب". وقد أوردت هذه الروايات بعض كتب الشيعة مثل تفسير القمي وبحار الأنوار، واعتبرها الخُوئي صحيحة عنده في إطار منهجهم الخاص، بينما علماء الحديث من أهل السنة أجمعوا على ضعف هذه الأسانيد وعدم اعتبارها دليلًا شرعيًا.
المقال يوضح أن الزواج الشرعي بين النبي ﷺ وزينب بنت جحش تم بإذن الله بعد انقضاء عدتها، وأن كل ما ورد في الروايات المنكرة هو محاولات لتوظيف الرواية لتشويه العصمة النبوية وإضفاء دلالات غير شرعية على شخصية النبي ﷺ، وهي ممارسة خاصة بالفرق الضالة وليس من الإسلام الصحيح. كما يسلط الضوء على الاختلاف بين النقل الصحيح عن النبي ﷺ وبين الروايات المنكرة التي تم استغلالها عند الشيعة لتأكيد طروحاتهم العقدية.
حدثنا الساجي ثنا الحسن بن علي الواسطي قال ثنا علي بن نوح ثنا محمد بن كثير ثنا سليم مولى الشعبي عن الشعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى زينب بنت جحش فقال سبحان الله مقلب القلوب فقال زيد بن حارثة إلا أطلقها يا رسول الله فقال أمسك عليك زوجك فأنزل الله عز وجل وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك الآية..»فيه سليم مولى الشعبي...
قال النسائي:
« ليس بثقة» (الضعفاء للنسائي1/48) وقال يحيى بن معين « ضعيف» (الضغفاء الكبير2/164 الكامل في الضعفاء3/316). وفيه محمد بن كثير الكوفي. وهو أحد ضعفاء الحديث.
قال عنه البخاري:
« منكر الحديث» (التاريخ الكبير1/217 ترجمة رقم683) وعامة أهل العلم قالوا عنه ذلك وخالف ابن معين الكل في ذلك فحسنه.
وقد رد المحققون من أهل العلم هذه الرواية المنكرة وقال الحافظ في (الفتح8/523) بإنه « لا ينبغي التشاغل بهذه الروايات»
وروى القرطبي هذه الروايات ثم أعرض عنها وأكد أن الصحيح من أقوال المفسرين والعلماء الراسخين كالزهري والقاضي بكر بن العلاء القشيري والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم أن المراد بقوله تعالى﴿وتخشى الناس﴾( إنما هو خوف إرجاف المنافقين بإنه نهى عن تزويج نساء الأبناء وتزوج بزوجة ابنه.
ثم قال: « فأما ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم هوي زينب أمرأة زيد فهذا إنما يصدر عن جاهل بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم أو مستخف بحرمته».
قال ابن العربي:
« فإن قيل لأي معنى قال لـه أمسك عليك زوجك وقد أخبره الله إنها زوجه؟ قلنا: أراد أن يختبر منه ما لم يُعلِمه الله من رغبته فيها أو رغبته عنها فأبدى له زيد من النفرة عنها والكراهة فيها ما لم يكن علمه منه في أمرها»..
والثابت في صحيح مسلم خلاف ذلك... « لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد فاذكرها علي قال فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها قال فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها فوليتها ظهري ونكصت على عقبي فقلت يا زينب أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك قالت ما أنا بصانعة شيئا حتي أُوَأمر ربي فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن» (مسلم2/1048 حديث رقم1428). فالذي رآها هو زيد. بعد انقضاء عدتها.
وقد دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذن لأمر الله له بالزواج منها ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ وكانت زينب تقول مفاخرة « زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات» (رواه البخاري6/2699 حديث رقم6984)
وبالمناسبة فقد روى علي القمي الرافضي تلك الرواية المنكرة « أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم منزله – يعني زيدا – فإذا زينب جالسة وسط حجرتها فنظر إليها وكانت جميلة حسنة فقال سبحان خالق النور وتبارك الله أحسن الخالقين..
ووقعت زينب في قلبه موقعا عجيبا. المنظر ثم رجع (صلى الله عليه وآله) إلى منزله ووقعت زينب في قلبه وقوعا عجيبا وجاء زيد إلى منزله فأخبرته زينب بما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال لها زيد: هل لك أن اطلقك حتى يتزوجك رسول الله فقالت: أخشى أن تطلقني ولا يتزوجني رسول الله صلى الله عليه وآله فجاء زيد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: بأبي انت وامي يا رسول الله اخبرتني زينب بكذا وكذا فهل لك أن اطلقها حتى تتزوجها؟ فقال رسول الله: لا، إذهب فاتق الله وامسك عليك زوجك، ثم حكى الله فقال: ﴿أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها﴾( إلى قوله ﴿وكان أمر الله مفعولا( ﴾فزوجه الله من فوق عرشه».
(تفسير القمي2/172 وانظر بحار الأنوار22:215 للمجلسي تفسير مجمع البيان8/11 التفسير الصافي4/163 تفسير نور الثقلين4/236 للحويزي)
وقد حكم الخوئي بصحة جميع روايات مشايخ القمي في تفسيره (معجم رجال الحديث1/49).
فهذه مكافأة خوئية تتزامن مع تميز القمي في الجهر باعتقاد تحريف القرآن. فبما إنه أكثر الناس جهرا بالقول بتحريف القرآن صار أكثر الناس وثاقة عند الخوئي. وبهذا التوثيق الخوئي تصير هذه الرواية صحيحة الإسناد عند الرافضة. وهذه الرواية تفتح مجالا للنصارى أن يجعلوها شبيهة برواية كتابهم عن داود إنه رأى أمرأة جارة تستحم فأعجبه منظرها ثم تأمر على زوجها (أوريا الحتي) وأمر قائد الجنود أن يكون في مقدمة الجيش عند الحرب وسرعان ما مات فضم داود أرملة جاره المسكين إلى نسائه (صموئيل الثاني11: 1)