يرى الباحثين أن الأدلة النقلية التي استندت إليها نظرية النيابة العامة للفقهاء لا تنهض لإثبات ولاية سياسية مطلقة، وأن النصوص الدينية أقرب إلى بيان دور العلماء في الإرشاد وبيان الأحكام الشرعية، لا في احتكار السلطة السياسية. ومن هنا برزت الدعوة إلى اعتماد نظام الشورى باعتباره آلية شرعية وعقلية لاختيار الحاكم ومراقبة السلطة، بما يضمن مشاركة الأمة في القرار السياسي ويحول دون احتكار الحكم أو تقديس الحاكم.
ويؤكد هذا الاتجاه أن الشورى لا تقتصر على اختيار القيادة فحسب، بل تمتد إلى مجالات التنفيذ والتشريع والفصل بين السلطات، بحيث تقوم الدولة على دستور يحدد الصلاحيات ويضمن المراقبة والمحاسبة، ويجعل الحاكم مسؤولاً إمام الأمة. كما يناقش المقال نماذج من النقد الذي وُجّه إلى تطبيق نظرية ولاية الفقيه في التجربة المعاصرة، وما أفرزته من جدل حول حدود السلطة الدينية والسياسية وعلاقة الحاكم بالمجتمع.
يقول توفيق السيف ناقلا عن بعض الفقهاء:
"جوهر الخلاف هو طبيعة الولاية التي تمنحها النظرية للفقيه، وحدود هذه الولاية.. حيث يجري النقاش بصورة مركّزة حول قدرة كلّ من الأدلّة التي قدّمها أصحاب النظرية على حمل المدلول"[1].
وألّف آية الله محسن كديوَر كتابا خاصّا عن تعدد نظريات لحكم في الفقه الشيعي، وقد كتب في مقدمة كتابه أن "فقهاء الشيعة اقترحوا حتى لآن ما لا يقلّ عن تسع نظريات مختلفة في باب الحكم. بل أن النظرية الرسمية (الحاكمة) تتطلب للوقوف عليها بدقة، أن تُقرأ على ضوء النظريات الأخرى وتقارَن بها". هذا الكلام أغضب (الوليّ الفقيه خامنئي) مما تسبب في اعتقال كديوَر في الفترة 1999 - 2000م ليسجن في سجن إيفين الرهيب مع السفلة والمجرمين!.
وأهم النظريات التي ذكرها:
1) الولاية العامّة المطلقة، التي لا تحدّها حدود! وهي نظرية خميني، والتي تُحكم بها إيران اليوم، وتتبنّاها أذنابها في بعض الدول الأخرى، كحزب الله في لبنان، وجمعية الوفاق في البحرين.
2) الولاية العامّة المطلقة لشورى الفقهاء، أي أن الفقهاء المراجع يشكلون مجلسا مشتركا للحكم، فلا تكون السلطة في يد شخص واحد. وهي نظرية محمد الشيرازي منافس الخميني.
3) الولاية الخاصّة الجزئية، أي في أمور محددة فقط، ويتبنّاها كثير من فقهاء الشيعة، كمحسن الحكيم (ت 1970م)، وأبي القاسم الخوئي (ت 1992م)، وعلي السيستاني.
4) ولاية الأمة على نفسها، وهي نظرية محمد مهدي شمس الدين (ت 2001م) والتي سرق فكرتها من منهجية الشورى السنّية!
5) نظرية الخلافة والشهادة، والتي قال بها محمد باقر الصدر (ت 1980م)، وهي مزيج من نظريتي خميني وشمس الدين!
ثم تكلم في لمن كانت الغلبة؟ وقال: أن النظرية التي سادت وتمكنت وتحولت إلى نظام للحكم في إيران هي نظرية خميني (ولاية الفقيه العامّة المطلقة). والسبب في غلبة هذه النظرية أن خميني وأتباعه قد فرضوها بالقوة، غصبا عن أنوف المراجع الآخرين! فرضوها بقوة تقدّر بـ نصف مليون مسلّح من الباسداران (الحرس الثوري)، وثلاثة ملايين مسلّح من الباسيج (مليشيا التعبئة)!!!
ومن عجائب هذه النظرية:
1) ينتخب الشعب رئيس الجمهورية، ويعزله الوليّ الفقيه متى شاء!!
2) ينتخب الشعب مجلس الشورى، ويسلّط الوليّ الفقيه على هذا المجلس مجلسا آخر هو مجلس صيانة الدستور ليحدّ من صلاحيات المجلس المنتخب!!
3) يتم اختيار الوليّ الفقيه من قبل مجلس الخبراء. وهذا المجلس أعضاؤه من الموالين للوليّ الفقيه ومعيّنين بتأثير مباشر أو غير مباشر منه!!
ثم يقولون في الشورى، هذا المبدأ الإسلامي العظيم:
"إن الشورى والانتخابات والاختيار على أساس الانتخاب من البدع التي جاءتنا من الغرب، ومن ثقافة المخالفين في الولاية (أي أهل السنّة والجماعة).. ولم يكن له عين ولا أثر في الإسلام"!!. كما قال آية الله العظمى محمود الهاشمي الشاهرودي رئيس السلطة القضائية في إيران وأحد أعمدة نظام الوليّ الفقيه.
فأدت هذه النظرية إلى إلغاء دور الأمة، وإعطاء صفة القداسة لفتوى العلماء، سلب حق الأمة في الاختيار، وهو ما أكده أيضا في خطاب بعثه لخامنئي عندما كان رئيسا للجمهورية فقد أجاز الخميني لوزير العمل تطبيق بعض القوانين التي لم يصوت عليها مجلس المحافظة على الدستور فأثارت امتعاض رئيس الجمهورية خامنئي فبعث الخميني إليه برسالة يقول فيها: "كان يبدو من حديثكم في صلاة الجمعة ويظهر أنكم لا تؤمنون أن الحكومة التي تعني الولاية المخولة من قبل الله إلى النبي الأكرم- صلى الله عليه وسلم- مقدمة على جميع الأحكام الفرعية.. ولو كانت صلاحيات الحكومة (أي ولاية الفقيه) محصورة في إطار الأحكام الفرعية الإلهية لوجب أن تلغى أطروحة الحكومة الإلهية والولاية المطلقة المفوضة إلى نبي الإسلام - صلى الله عليه وسلم- وأن تصبح بلا معنى.. ولا بد أن أوضح أن الحكومة شعبة من ولاية رسول الله - صلى الله عليه وسلم- المطلقة، وواحدة من الأحكام الأولية للإسلام ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج.. وتستطيع الحكومة (ولاية الفقيه) أن تلغي من طرف واحد الاتفاقات الشرعية التي تعقدها مع الشعب إذا رأتها مخالفة لمصالح البلد والإسلام.. أن الحكومة (ولاية الفقيه) تستطيع أن تمنع مؤقتا في ظروف التناقض مع مصالح البلد الإسلامي إذا رأت ذلك، أن تمنع من الحج الذي يعتبر من الفرائض المهمة الإلهية، وما قيل حتى الآن وما قد يقال ناشئ من عدم معرفة الولاية المطلقة الإلهية".
ويقول رمضان الغنام أن هذه الفكرة:
" هي بالمعنى الدقيق: فكرة حلولية، دخلت على الفكر الشيعي عن طريق الفكر النصراني، القائل: أن الله تجسّد في المسيح، والمسيح تجسّد في الحبر الأعظم. ولازالت صورة رجل الدين الإيراني محمد تقي الدين يزدي عالقة بأذهان الكثيرين ممن لهم إطلاع على الشأن الإيراني، حيث انتشرت صورة له وهو يرتمي على الأرض ليقبل حذاء المرشد الإيراني الأعلى "علي خامنئي". كما أن فتواه - أي يزدي -بكفر وردة من ينكر ولاية الفقيه، قد أخذت من الشهرة حظا وافرا.
أن ما فعله الخميني، ويفعله الآن خامنئي، كان تحت غطاء شرعي، وهذا الغطاء بدعة تفتق بها عقل الخميني إبان ثورته التي نادت بالحرية لشعبه ثم عاملته بأقصى أنواع الدكتاتورية، حيث أعطى لنفسه أكثر مما يعطى للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأناب نفسه عن الله في الأرض، وهذا الغطاء هو ما يسمي عند الشيعة "بولاية الفقيه "، والذي استمده من بعض أئمة الشيعة المتأخرين، حيث كان لهذه النظرية إرهاصات سابقة للخميني بحوالي ثلاثة قرون من الزمان أو يزيد، بسبب حيرة الشيعة في عصر الغيبة.
لقد كان البابا في عصر محاكم التفتيش يحكم أوربا باسم السلطة الإلهية المطلقة، حيث كان يأمر بالإعدام والحرق والسجن،... وقد دخلت هذه البدعة إلى الفكر الشيعي بعد الغيبة الكبرى، وأخذت طابعاً عقائديّا، عندما أخذ علماء الشيعة يسهبون في الإمامة، ويقولون: بأنها منصب إلهيٌّ، أنيط بالإمام، كخليفة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبما أن الإمام ـ في اعتقاد الرافضة ـ حيٌّ، لكنه غائب عن الأنظار، ولم يفقد سلطته الإلهية بسبب غيبته فإن هذه السلطة تنتقل منه إلى نوّابه، لأن النائب يقوم مقام المنوب عنه في كل شيء".
أن إيراد كل ما من شإنه أن يعد نقداً لهذه النظرية وبالأخص من داخل البيت الشيعي يخرجنا عن خطة الكتاب والذي رأينا أن يكون مختصراً. وحسبنا من جعل كل التالي الذي جاء به الدستور الإيراني في يد شخص واحد حجة في إثبات تهافت هذه النظرية.
تنص المادة 110 من الدستور الإيراني على الآتي:
وظائف القائد وصلاحياته:
1 - وضع السياسات العامة لنظام جمهورية إيران الإسلامية بعد التشاور ف على حسن إجراء السياسات العامة للنظام.
3 - إصدار الأمر بإجراء الاستفتاء العام.
4 - تولي القيادة العامة للقوات المسلحة.
5 - إعلان حالة الحرب والسلام والتعبئة العامة.
6 - نصب وعزل وقبول استقالة كل من:
أ) فقهاء مجلس صيانة الدستور.
ب) أعلى مسؤول في السلطة القضائية.
ج) رئيس مؤسسة الإذاعة والتليفزيون في جمهورية إيران الإسلامية.
د) رئيس أركان القيادة المشتركة.
هـ) القائد العام لقوات حرس الثورة الإسلامية.
و) القيادات العليا للقوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي.
7 - البت في الخلافات وتنظيم العلاقة بين السلطات الثلاث.
8 - حل مشكلات النظام التي لا يمكن حلها بالطرق العادية من خلال مجمع تشخيص مصلحة النظام.
9 - إصدار قرار تنصيب رئيس الجمهورية بعد انتخابه من قبل الشعب أما بالنسبة لصلاحية المرشحين لرئاسة الجمهورية من حيث توافر الشروط المعينة في هذا الدستور فيجب أن تحصل قبل الانتخابات على موافقة مجلس صيانة الدستور وفي الدورة الأولى يجب أن تحصل على موافقة القيادة.
10 - عزل رئيس الجمهورية مع مراعاة مصالح البلاد وذلك بعد صدور حكم المحكمة العليا بتخلفه عن أداء وظائفه القانونية أو بعد رأي مجلس الشورى الإسلامي بعدم كفاءته السياسية على أساس المادة 89.
11 - العفو أو تخفيف عقوبات المحكوم عليهم في إطار المبادئ الإسلامية بعد اقتراح رئيس السلطة القضائية ويستطيع القائد أن يوكل شخصاً آخر لأداء بعض وظائفه وصلاحياته.
وقبل أن نختم الكلام في نقد نظرية ولاية الفقيه، لا نرى بأساً من أن نعرج ولو قليلاً على ذكر نظرية شورى الفقهاء وهي نظرية التيار الآخر للشيعة والمناوئ لنظرية ولاية الفقيه، وإن كان هذا الكتاب غير مخصص للكلام في هذه النظرية إلا انها لا تخلو من مطاعن فقد طبّقت في إيران بعد ثورة التنباك بداية القرن الماضي حين أسسّ العلماء مجلساً فقهائياً لقيادة البلاد وآلعباد عام 1906م. لكن ذلك المجلس لم يستطع عملياً من قيادة الأمة وأداء واجباته الشّرعية لدليلين:
الأول: كثرة الأجتهادات والتناحر والخلاف بين الفقهاء أنفسهم وعدم وجود من يستطيع حل الخلافات بينهم من فوق خصوصا في المسائل المصيرية ولهذا إستغلت الأطراف المناوئة (الأنكليز ومعهم الشاه) ذلك الوضع وسيطروا على أوضاع الناس وبالتالي الحكم ليُذيقوا الأمة الأمرين بل وصل الأمر بالفقهاء لئن يفتي بعضهم بإرقامة دم فقهاء آخرين. كما حدث مع آية الله العظمى فضل الله النوري ألذي قتل على يد مقلّدي مراجع آخرين لإنه لم يقبل بالمشروطة (صيغة نظام الحكم في وقتها) إلا بشروط بينما قبلها العلماء الآخرين بدون قيد أو شرط حيث كان فضل الله النوري يرى بوجوب المشروطة المشروعة!
[1] نظرية السلطة في الفقه الشيعي، 162