د. حسن فرحان المالكي (برنامج أرني أنظر إليك)
تفتتح هذه الحلقة نافذة معرفية هامة لإعادة قراءة المصطلحات العقائدية الأساسية التي بنيت عليها الكثير من الصراعات التاريخية بين المذاهب الإسلامية، وعلى رأسها الشيعة والسنة. يركز الطرح هنا على انتشال مفهومي "الإيمان" و"الكفر" من الوصاية المذهبية والتعريفات الكلامية الضيقة، وإعادتهما إلى الفضاء القرآني الرحب والناصع. يحاول المتحدث في هذه المقدمة التمهيد لتفكيك الأفكار الإقصائية التي جعلت من الخلاف السياسي والتاريخي معياراً للحكم على ضمائر الناس وسرائرهم. وينطلق من فرضية أن القرآن الكريم وضع معايير أخلاقية وعملية واضحة للإيمان لا ترتبط بمدى ولاء الفرد لجهة أو فرقة معينة، بل بمدى صلاحه وتفاعله الإيجابي مع قيم العدل والحق الإنساني والتسليم المطلق لله عز وجل بعيداً عن تحزبات البشر.
تفريغ (النص المنطوق بالعربية الفصحى والعامية المبسطة):
"بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.. أحييكم أيها الإخوة والأخوات في حلقة جديدة من برنامجكم "أرني أنظر إليك".. موضوع اليوم موضوع شائك ومحوري، وهو موضوع الإيمان والكفر في القرآن الكريم.. لقد جرت العادة في المذاهب الإسلامية، سواء عند أهل السنة والجماعة أو عند الشيعة، أو غيرهم من الفرق كالخوارج والمعتزلة، أن يضعوا شروطاً للإيمان والكفر من عند أنفسهم أو بناءً على مرويات وأحاديث ظنية، وصار كل مذهب يرى نفسه هو المؤمن والآخر هو الكافر أو الفاسق أو المبتدع.. لكننا إذا عدنا للقرآن الكريم، المرجعية العليا والمهيمنة، سنجد أن مفهوم الإيمان يختلف تماماً عما سطره علماء الكلام في كتب العقائد والفرق.. القرآن الكريم يربط الإيمان دائماً بالعمل الصالح، بالصدق، بالعدل، بعدم ظلم الناس.. والإيمان في القرآن ليس مجرد كلمات تُقال باللسان، بل هو طمأنينة في القلب وتصديق في العمل..
والكفر في المقابل ليس مجرد جهل بالمعلومة، بل هو "جحود" وستر للحق بعد معرفته.. الكافر في القرآن هو الظالم، هو المعتدي، هو الذي يمنع حقوق الناس ويستكبر في الأرض.. نحن بحاجة اليوم إلى ثورة فكرية تعيدنا إلى هذا النقاء القرآني.. الباحث في الشأن الشيعي أو الشأن السني يجد أن كلا الطرفين قد وقع في فخ التكفير المتبادل بناءً على مسائل سياسية وتاريخية حدثت قبل 1400 عام.. فهل يُعقل أن يُربط إيمان المسلم اليوم بموقفه من معركة الجمل أو صفين أو بموقفه من فلان أو علان من الشخصيات التاريخية؟ القرآن يعلمنا "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسألون عما كانوا يعملون"..
المعيار الحقيقي هو التقوى، والتقوى سلوك أخلاقي.. عندما تقرأ آيات القرآن تجد أن الله يمدح المؤمنين بصفاتهم الأخلاقية والإنسانية؛ فهم الذين يوفون بالعهد، والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون، والذين يقيمون الصلاة وينفقون مما رزقناهم.. ولم يقل إن المؤمن هو من ينتمي للمذهب الفلاني أو يتبع الفرقة الفلانية.. إن أزمة الأمة اليوم هي أزمة هجران القرآن والتمسك بالروايات والموروثات التي صاغتها السياسة وصاغتها صراعات الحكم والسلطة.. لذلك، أدعوكم في هذه الحلقة وفي هذا البرنامج إلى أن نتجرد من العصبيات المذهبية، وأن ننظر في كتاب الله نظرة تدبر حقيقية، لنعرف من هو المؤمن حقاً ومن هو الكافر حقاً بميزان الله لا بميزان البشر.. نسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.. وتابعوا معنا تفاصيل هذه المراجعة المعرفية في السطور القادمة.."