موقف أهل السُنَّة والجماعة من الاثني عشر من آل البيت:
تعتبر قضية آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من الركائز الأساسية التي يبني عليها أهل السنة والجماعة معتقدهم الصافي، حيث يجمعون بين الولاء والمحبة الصادقة للعترة الطاهرة وبين الالتزام بالضوابط الشرعية التي تحمي هذا المعتقد من الغلو أو الجفاء. وفي هذا المقطع المرئي، يقوم الشيخ الدكتور عثمان الخميس بتأصيل الموقف السني الحق تجاه الأئمة الاثني عشر الذين تعظمهم الطائفة الشيعية الإمامية، مبيناً بالأدلة القاطعة أن أهل السنة هم أولى الناس بهؤلاء الأعلام الأطهار لأنهم يتبعونهم بحق وينزلونهم منازلهم اللائقة بهم دون إفراط أو تفريط. إن هذا البيان العقدي يكتسب أهمية بالغة في العصر الحالي لإزالة اللبس وتفنيد الدعاوى التي تتهم أهل السنة بمجافاة آل البيت، ويظهر القيمة العلمية والتاريخية لهؤلاء الرموز. ويأتي هذا الشرح والتفصيل ليرسم معالم واضحة للقارئ والباحث ليفهم كيف يتعامل الوعي السني مع رموز العترة النبوية من منظور روائي وتاريخي وعقائدي منصف.
التفريغ الكامل والمفصل للفيديو:
يبدأ الشيخ عثمان الخميس حديثه بالإشارة إلى أن آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم كثر، والكلام في فضائلهم ومكانتهم يطول ويتشعب، ولذلك يركز في هذا المقام على بيان موقف أهل السنة والجماعة تحديداً من "الأئمة الاثني عشر" الذين يخصهم الشيعة الاثنى عشرية بالتعظيم والاعتقاد. يوضح الشيخ أن أهل السنة يقسمون هؤلاء الأئمة إلى أربعة أقسام علمية وتاريخية واضحة:
القسم الأول: الصحابة الأجلاء: وهم الأئمة الثلاثة الأوائل: علي بن أبي طالب، وابنه الحسن، وابنه الحسين رضي الله عنهم أجمعين. هؤلاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولهم من المكانة والفضل والمنزلة العالية ما يعلمه الله عز وجل، ويدخلون دخولاً أولياً وعموماً في كل الآيات والأحاديث التي وردت في فضل الصحابة ومكانتهم وتعديلهم.
علي بن أبي طالب: هو أولهم وسيدهم، وجاءت في فضله أحاديث متواترة وكثيرة جداً.
الحسن بن علي: هو السبط السيد رضي الله عنه، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عنه وهو على المنبر: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»، وكان النبي يقول عن الحسن والحسين: «اللهم إني أحبهما فأحبهما».
الحسين بن علي: هو ريحانة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لما جاءه رجل من أهل العراق يسأله عن دم البعوضة (أو الذبابة) في الإحرام، فقال ابن عمر مستنكراً: «يسألون عن قتل الذبابة وقد قتلوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم! وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هما ريحانتاي من الدنيا»، وثبت أنهما "سيدا شباب أهل الجنة".
القسم الثاني: أعلام العلم والعبادة والسيادة: ويتكون من ستة أشخاص من التابعين وأتباعهم، وهم: علي بن الحسين (زين العابدين)، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق، وموسى الكاظم، وعلي الرضا، ومحمد الجواد. يصفهم الشيخ بأنهم ممدوحون، معروفون بالعلم، الكرم، والعبادة والسيادة الشريفة.
علي بن الحسين (زين العابدين): قال عنه ابن سعد: "كان ثقة مأموناً كثير الحديث، عالياً رفيعاً ورعاً". وقال الزهري: "ما رأيت قرشياً أفضل من علي بن الحسين". وذكر الذهبي أن له جلالة عظيمة، وكان أهلاً للإمامة العظمى لشرفه وسؤدده وعلمه وتألهه وكمال عقله. ويذكر الشيخ القصة المشهورة لهشام بن عبد الملك عندما حج في عهد خلافة أبيه (أو ولايته للعهد)، فكان إذا أراد استلام الحجر زُحِم عليه ولم يستطع، فبُني له منبر يجلس عليه، فبينما هو كذلك إذ أقبل علي بن الحسين، فتنحى له الناس هيبة وإجلالاً حتى استلم الحجر الأسود وقبله، فغضب هشام (نائب الخليفة) وقال متجاهلاً: "من هذا؟ فما أعرفه"، وكان الشاعر الفرزدق واقفاً، فقال قصيدته العصماء المشهورة:
هَذا الّذي تَعرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ... وَالبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ
هَذا اْبنُ خَيْرِ عِبادِ الله كُلِّهِمُ... هَذا التَّقيُّ النَّقيُّ الطّاهِرُ العَلَمُ
يَكادُ يُمْسِكُهُ عِرْفانَ راحَتِهِ... رُكْنُ الحَطِيمِ إِذَا مَا جَاءَ يَسْتَلِمُ
يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ... فَمَا يُكَلَّمُ إِلَّا حِينَ يَبْتَسِمُ
هَذا اْبنُ فاطِمَةٍ إِنْ كُنْتَ جاهِلَهُ... بِجَدِّهِ أَنْبِيَاءُ الله قَدْ خَتَمُوا
محمد بن علي (الباقر): قال الذهبي إنه شُهر بالباقر لأنه "بَقَرَ العلم" أي عرف أصله وخفيه، وكان إماماً مجتهداً، تالياً لكتاب الله، كبير الشأن. وقال ابن كثير: "أحد أعلام هذه الأمة علماً وعملاً وسيادةً وشرفاً".
جعفر بن محمد (الصادق): قال الذهبي: "الإمام الصادق شيخ بني هاشم، أحد الأعلام الكبار، القرشي الهاشمي العلوي النبوي المدني". وقال أبو حاتم الرازي: "لا يُسأل عن مثله" إشارة لتوثيقه المطلق.
موسى بن جعفر (الكاظم): قال ابن تيمية: "مشهور بالعبادة والنسك". وقال أبو حاتم الرازي: "ثقة صدوق، إمام من أئمة المسلمين". وقال ابن كثير: "كان كثير العباد والمروءة".
علي بن موسى (الرضا): قال عنه ابن حبان: "من سادات أهل البيت وعقلائهم وأجل الهاشميين ونبلائهم". وقال الذهبي: "كان كبير الشأن، أهلاً للخلافة".
محمد بن علي (الجواد): قال ابن تيمية: "كان من أعيان بني هاشم، وهو معروف بالسخاء والسؤدد، ولذلك سمي بالجواد".
القسم الثالث: شرف النسب والفضل: ويضم شخصين هما: علي الهادي (الإمام العاشر) والحسن العسكري (الإمام الحادي عشر). يوضح الشيخ عثمان الخميس أن هذين الرجلين يكفيهما فخراً هذا النسب الشريف الذي ينتسبان إليه، وهما ممن يحق لهما المجيء عند قبر النبي ﷺ والقول "السلام عليك يا أبتِ"، لكنهما تاريخياً لا يُعرفان بكثير علم ولا رواية، وإنما يُعرفان بفضل الصلاح والعبادة والنسب الشريف.
القسم الرابع: الغائب الموهوم: وهو محمد بن الحسن، الذي يسمى عند الشيعة بالمهدي المنتظر (الإمام الثاني عشر). يؤكد الشيخ عثمان الخميس أن هذا الشخص عند أهل السنة والجماعة معدوم غير مخلوق أصلاً، وإنما هو افتراء ادعته الشيعة ونسبوا ولادته للحسن العسكري، بينما الثابت تاريخياً أن الحسن العسكري مات عقيماً ولم يكن له أولاد.