المباهلة بين السنة والشيعة:

يمثل هذا المقطع المرئي الحلقة الأولى والافتتاحية القوية لبرنامج "كشف الغطاء" لفضيلة الدكتور محمد بن عبد العزيز البراك، والتي خصصها بالكامل لمناقشة وتفنيد شبهة "المباهلة بين السنة والشيعة" والرد على الاستدلالات الإثني عشرية حول آية المباهلة في سورة آل عمران. ينطلق الشيخ في هذا اللقاء من أرضية علمية صلبة ليفكك الشبهة الشيعية الكبرى القائلة بأن خروج علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم لمباهلة نصارى نجران، ووصفه بلفظ "أنفسنا"، يعد نصاً قرآنياً صريحاً على عصمته وأفضليته المطلقة وأحقيته بالخلافة دون بقية الصحابة. يستعرض الدكتور البراك بالتحليل اللغوي الدقيق معاني لفظ "الأَنفُس" في الاستعمال القرآني، مبرهناً عبر آيات محكمات أن اللفظ يقتضي الجنس والأخوة في الدين والقرابة النسبية ولا يفيد المطابقة في الصفات أو نقل العصمة والأفضلية الدينية السياسية. كما يوضح المقطع الفارق الشاسع بين مقام التشريف والخصوصية لآل البيت الأطهار -وهو محل حب وإجماع عند أهل السنة- وبين التوظيف الطائفي الفاسد للآية لإخراج الخلفاء الراشدين من الفضل، موجهاً تساؤلاً عقلياً وتاريخياً صاعقاً حول عدم احتجاج أمير المؤمنين علي بالآية طيلة حياته لإثبات حقه السياسي المزعوم.

تفريغ المقطع إلى نص مكتوب:

د. محمد البراك: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أهلاً ومرحباً بكم مشاهدينا الكرام في الحلقة الأولى والافتتاحية من برنامجكم الجديد "كشف الغطاء"، والذي نهدف من خلاله إلى جلاء الحقائق وتفكيك الشبهات الكبرى العالقة بين أهل السنة والجماعة وبين الشيعة الإثني عشرية الرافضة بالدليل العلمي الهادئ والتوثيق الصارم من كتب الطائفتين.

موضوع حلقتنا الأولى والأساسية هو حدث تاريخي وعقدي عظيم يستغله علماء ومراجع الشيعة استغلالاً كبيراً في أدبياتهم المعاصرة وفي مناظراتهم، ألا وهو "حادثة المباهلة وآية المباهلة" الواردة في سورة آل عمران، حيث يقول الله سبحانه وتعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين).

الشيعة الإثنا عشرية يزعمون ويروجون لعوامهم أن هذه الآية وهذا الحدث التاريخي يمثل الدليل القاطع والبرهان الساطع على "إمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعصمته وأفضليته المطلقة للخلافة والولاية" بل وجعلوه عيداً من أعيادهم يسمونه "عيد المباهلة". كيف يركبون هذا الاستدلال الفاسد؟ يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم عندما خرج لمباهلة نصارى نجران، لم يخرج معه من الصحابة أحداً، بل أخذ معه علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين.

ويقولون في كتبهم وتفاسيرهم (مثل تفسير الميزان للطباطبائي وتفسير الطبرسي والاحتجاج): إن لفظ (أبناءنا) ينطبق على الحسن والحسين، ولفظ (نساءنا) ينطبق على فاطمة الزهراء، أما اللفظ الأخطر والأهم عندهم فهو لفظ (أنفسنا وأنفسكم)، حيث يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما دعا علياً، فقد جعله "نفسه" بنص القرآن! وبما أن الإمام علي هو نفس النبي بنص الآية، والنبي معصوم وأفضل البشر، فبالتالي يكون علي بن أبي طالب معصوماً وأفضل البشر بعد النبي وأولى بالخلافة والإمامة من أبي بكر وعمر وعثمان الذين لم تشملهم الآية!

نحن نقول في هذا البرنامج "كشف الغطاء"، ونبين بالدليل الشرعي واللغوي والعقلي بطلان هذا الاستدلال الشيعي المتهافت من عدة أوجه علمية واضحة؛

أولاً من الناحية اللغوية وسياق الآية: إن لفظ (أنفسنا) في لغة العرب وفي استعمالات القرآن الكريم لا يعني التساوي والمطابقة المطلقة والعصمة أبداً، بل يعني "أهل ديننا وقرابتنا وجنسنا". وهناك آيات كثيرة جداً في القرآن تثبت هذا المعنى اللغوي البديهي؛ كقوله تعالى في سورة النور: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً) فهل يعني هذا أن كل مؤمن هو نفس المؤمن الآخر بالمطابقة والعصمة؟ بالطبع لا، بل تعني ظنوا بإخوانهم في الدين خيراً. وكقوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم) أي لا يقتل بعضكم بعضاً لأنكم من دين واحد وجنس واحد، وكقوله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) أي من جنسكم وبشر مثلكم يتكلم لغتكم، ولم يلتفت أحد من مفسري الأمة ولا العرب إلى أن لفظ "من أنفسكم" يقتضي التساوي في العصمة أو الأفضلية المطلقة للقرابة.

ثانياً من الناحية التاريخية والسببية للمباهلة: إن النبي صلى الله عليه وسلم عندما خرج لمباهلة نصارى نجران، خرج بأقرب الناس إليه نسباً وأخصهم ببيته (ابن عمه وزوج ابنته، وابنته، وسبطيه) ليظهر للنصارى صدقه ويقينه التام بنبوته ورسالته، فالإنسان في مقام الموت والهلاك باللعنة لا يخاطر بأعز الناس على قلبه وأولاده إلا إذا كان موقناً بنصر الله، وهذا مقام تشريف وإظهار مكانة لآل البيت الأخيار الأطهار، وهو محل إجماع وفخر عند أهل السنة والجماعة الذين يحبون آل البيت حباً جماً. ولكن هذا التشريف والمكانة والخصوصية النسبية لا علاقة لها إطلاقاً بمسألة "الإمامة السياسية، أو العصمة من الخطأ، أو الأحقية بالخلافة"؛ بدليل أن العباس بن عبد المطلب عم النبي كان حياً ولم يخرج، وبقية بنات النبي كأُم كلثوم وزينب رضي الله عنهن لم يخرجن، وزوجات النبي وأمهات المؤمنين كعائشة وحفصة لم يخرجن، فهل خروجهن أو عدم خروجهن يسقط فضلهن أو يخرجهن من الإيمان؟

إن مراجع الشيعة يحاولون لو عنق النصوص وبناء عقيدة دولة وإمامة معصومة على ألفاظ لغوية عامة، متجاهلين أن علياً رضي الله عنه نفسه لم يحتج قط بآية المباهلة يوم السقيفة ولا يوم الشورى لإثبات أحقيته بالخلافة، فكيف يحتج بها المعاصرون ويجعلونها أصلاً يكفرون به صحابة رسول الله؟ هذا هو التهافت العقدي الذي نكشفه في هذه الحلقة.